تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويُقَوِّي الوجهَ الأوَّلَ ثَبَاتُهُ في التَّكسير في قولهم: أَيَانِق. أنشَد أبو زيدٍ (8) :

لَقَدْ تَعَلَّلْتُ عَلَى أَيَانِقِ

صُهْبٍ قَلِيلاَتِ الْقُرَادِ اللاَّزِقِ

فإن قلتَ: فإذا كان الاسمُ على هذا التَّقدير (فَعَلاً) بدلالة انقلاب العين ألفاً، فهَلاَّ كان في القلب أيضاً على زِنَتِهِ قبل القلب؟ (9)

قيلَ: إنَّ المقلوبَ قد جاء في غير هذا الموضع على غير زِنَةِ المقلوب عنه. ألا ترى أنَّهُم قالوا: ((له جاهٌ عند السُّلطان)) ، فجاء على (عَفَلٍ) (1) ، وهو مقلوبٌ عن ((الوجه)) ، فهذا وإنْ كان عكسَ ما ذَكَرْناه من القلب الذي ذهب إليه سيبويه في الاسم في الزِّنَةِ، فإنَّه مثلُهُ في اختصاص المقلوب ببناءٍ غيرِ بناء المقلوب عنه، وهذا يؤكِّدُ ما ذكَرْناه من مشابهة القلب بالتَّحقير / والتَّكسير. ألا ترى أنَّ البناءَين اختَلَفَا،كما اختَلَفَ التَّحقيرُ والتَّكسيرُ.

ومثلُ ذلك قولُهُم: فُوْقٌ وفُقًا (2) ، قال:

وَنَبْلِي وَفُقَاهَا كَ عَرَاقِيبِ قَطًا طُحْلِ (3)

ومثلُ ذلك في البناء دون القلب: نُوْيٌ ونُؤْيٌ.

فأمَّا بناءُ الاسم فلأنَّه تَضَمَّنَ معنى لامِ المعرفة كما تَضَمَّنَها ((أمسِ)) ، فبُني كما بُني، ولم يُجعَل في القلب على حدِّ ما كان قبل القلب، فكما اختلَفَ البناءان،كذلك اختلف الحذفان، فكان في القلب على حدِّه في ((أمسِ)) دون ((سَحَر)) ، وقبلَ القلبِ على حدِّ الحذف من اللَّفْظِ للتَّخفيف لاجتماع الأمثال وتقديرِ الثَّبات في اللَّفظ، نحو:

﴿تَذَكَّرُوْنَ﴾ (4) في مَن خَفَّف، و ((يَسْطِيع)) وما أشبه ذلك.

وحَكَى أبو بكرِ بنُ السَّرَّاج أنَّ أبا العبَّاس اختارَ في هذا الاسم أنْ يكونَ أصلُهُ:

((لاهاً)) ، وأنْ يكونَ ((لَهْيَ)) مقلوباً، وأنَّ القولَ الآخَرَ الذي لسيبويه فيه من أنَّه من قولهم: ((إلاهٌ)) (5) ، وتشبيهَ سيبويه إياه ب ((أُناس)) ليس كذلك، وذلك أنَّهُ يقال: أُنَاسٌ والأُناسُ (6) ، فإذا أدخَلَ الألِفَ واللاَّمَ ثبَتَت الهمزةُ.

قال: وأنشَدَني أبو عثمانَ المازنيُّ:

إِنَّ الْمَنَايَا يَطَّلِعْنَ على الأُنَاسِ الآمِنِيْنَا (7)

فكذلك ثبَتَت الهمزةُ في ((الإلاه)) .

قال أبو عليٍّ: وقد قدَّمْتُ في هذا الفصل (1) ما يُستَغنَى به عن الإعادة في هذا الموضع، وصحَّةَ ما ذهب إليه سيبويه من حَذْفِ الهمزة التي هي فاءٌ، وكونَ الألِفِ واللاَّمِ عِوَضاً منها؛ ألاَ ترى أنَّكَ إذا أثْبَتَّ الهمزةَ في ((الإلاه)) ولم تحذِفْ، لم تكن الألفُ واللاَّمُ فيه على حدِّها في قولنا: ((الله)) ؛ لأنَّ قَطْعَ همزةِ الوصل لا يجوزُ في ((الإلاه)) كما جاز في قولنا: ((الله)) ؛ لأنَّهُمَا ليسا بعِوَضٍ من شيءٍ، كما أنَّها في اسم ((الله)) تعالى عِوَضٌ بالأدلَّة التي أَرَينا.

فأمَّا قولُهُم: ((لاهِ أبوكَ)) فقال سيبويه (2) : ((حذفوا إحدى اللاَّمَين من قولهم: ((لاهِ أبوكَ)) ، حَذَفوا لامَ الإضافة أو اللاَّمَ الأخرى)) (3) .

وذَكَرَ أبو بكرِ بنُ السَّرَّاج عن أبي العبَّاس أنَّه قال: ((إنَّ بعضَهم قال: إنَّ المحذوفَ من اللاَّمَين الزَّائِدَةُ، وقال آخَرون: المحذوفُ الأصلُ، والمُبَقَّى الزَّائِدُ خلافَ قولِ سيبويه.

قال: فمِن حُجَّتَهِم أنْ يقولوا: إنَّ الزَّائِدَ جاء لمعنًى، فهو أَولى بأنْ يُترَكَ فلا يُحذَفَ؛ إذ الزَّائِدُ لمعنًى إذا حُذِفَ زالت بحذْفِهِ دلالتُهُ التي جاء لها، وقد رأيناهم يحذفون من نفس الكلمة في قولهم: لَم يَكُ، ولا أَدْرِ، ولم أُبَلْ (1) ؛ إذا كان الذي أُبقِيَ يدلُّ على ما أُلغِيَ، فكذلك يكونُ المحذوفُ من هذا الاسم ما هو من نَفْسِ الحرف، ويكونُ المبَقَّى الزَّائِدَ وأيضاً فما يُحذَفُ من هذه المكرَّراتِ إنمَّا يُحذَفُ للاستثقال، وإنمَّا يقعُ الاستثقالُ فيما يتكرَّر لا في المبدوءِ به الأَوَّلِ فالأَولى أنْ يُحذَفَ الذي به وقَعَ الاستثقالُ، وهو الفاءُ وحرفُ التَّعريف. ألا ترى أنَّهُم يُبدِلونَ الثَّانيَ مِن نحو: ((تَقَضَّيتُ)) ونحوِهِ، و ((آدَمَ)) وشبهِهِ، وكذلك حُذِفَتِ النُّونُ التي تكونُ مع علامةِ المتكلِّم المنصوبِ (2) من ((كأنِّي)) لَمَّا وقَعَت بعد النُّونِ الثَّقيلةِ.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٣٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٣٩٤