ولَمَّا كانت لأبي عليٍّ رحمه الله تلك الشُّهرةُ الذَّائعةُ بين أهل العربيَّة، وكان كثيرٌ من الأساتذة والباحثين قد أفاضوا في الحديث عنه، وعن حياته العلميَّة، ومؤلَّفاته، وسائرِ جوانب حياته، وعلى رأسهم أستاذيَ الفاضلُ الدُّكتور عبد الفتَّاح إسماعيل شلبي في سِفْره النفيس ((أبو عليٍّ الفارسي)) ؛ إذ كان وافياً شافياً. أضِف إليه مقدِّمات المحقِّقين الأفاضل الذين قاموا بنشر كتبه، وتحدَّثوا في صدر تحقيقاتهم عنه بإسهابٍ؛ لهذا سوف أقتضب الحديث عن أبي عليٍّ وسيرته فأعطي منها صورةً مقتضبةً لمن أرادها على طرف الثُّمام.
وإني إذ أحمدُ الله سبحانه على توفيقه لي في الشروع في تحقيق هذا الكتاب، كلِّي أملٌ أن يقع عملي هذا موقع الرِّضَا والقَبُولِ لدى أهل العربيَّة الخالدة. وقد بذلتُ فيه ما وسعني من جهدٍ، ولم أضنَّ عليه بوقتٍ أو بحثٍ أو مشورة فإن أصبتُ فيما أسلَفْتُ فمن الله سبحانه، وأسألُهُ أن يجعَلَ عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم، ومُدَّخراً لي في صالح العمل، أزدلفُ به إليه يوم الحشر الأكبر، وإنْ كنتُ أخطأتُ أو أسأتُ في عملي، فأستغفرُ الله العظيم منه، وأُذكِّرُ كلَّ مَن يقفُ على شيءٍ من ذلك بقول الإمام الخطابي (1) (رحمه الله) : ((وكلُّ مَن عَثَرَ منه على حرفٍ أو معنًى يجبُ تغييرُهُ فنحنُ نناشدُهُ الله في إصلاحه وأداءِ حقِّ النَّصيحة فيه، فإنَّ الإنسانَ ضعيفٌ لا يَسْلَمُ من الخطأ إلاَّ أنْ يعصِمَهُ الله بتوفيقه، ونحنُ نسألُ الله ذلك، ونَرْغَبُ إليه في دَرَكِهِ، إنَّه جَوَادٌ وَهُوبٌ)) . والشُّكرُ مزجًى إلى كلِّ مَن يقفُ على خطأٍ فيه فيُرشدُني إليه، ورَحِمَ الله امرأً أهدى إليَّ عيوبي. والرجاء موصولٌ لكلِّ مَن ينظُرُ فيه أن يخصَّني بدعوةٍ صالحةٍ بظهر الغيب.
وآخِرُ دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على سيِّدنا محمِّد وعلى آله وصحبه وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
• • •
أبو عليٍّ الفارسيُّ:
هو الحسنُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ الغفَّار بنِ سليمانَ الفارسيُّ الفَسَويُّ النَّحويُّ، أبو عليٍّ (2) ، المشهورُ في العالم اسمُهُ المعروفُ تصنيفُهُ ورسمُهُ، أوحدُ زمانه في علم العربيَّة. من أكابر أئمَّة النَّحويين. عَلَتْ منزلتُهُ بينهم حتى فضَّله قومٌ من تلامذته على المبرِّد. قال فيه أبو طالبٍ العبديُّ: ما كان بين سيبويه وأبي عليٍّ أفضلُ منه.
وُلد أبو عليٍّ بمدينة (فسا) من مدن بلاد فارس (1) سنة (288هـ) ، وتجوَّل في كثير من البلدان، فقدم بغداد واستوطنها سنة (307 هـ) ، ورحل إلى الموصل سنة (337 هـ) ، وفيها لقيه ابن جني، ثم رحل إلى حلب سنة (341هـ) ، وأقام بها مدة عند سيف الدولة، ثم عاد إلى فارس وصحب عضد الدولة البويهي، وتقدم عنده، وعلت منزلته وعنه أخذ عضدُ الدولة النحو حتى قال فيه: أنا غلام أبي عليٍّ النحوي الفَسَوي في النحو. وله صنَّف أبو عليِّ كتاب ((الإيضاح)) في النحو، فلما حمله إليه استقصره عضد الدولة، وقال له: ما زدتَ على ما أعرفُ شيئاً وإنما يصلُحُ للصِّبيان، فمضى أبو عليٍّ وصنف كتاب ((التكملة)) وحملها إليه، فلما وقف عليها عضدُ الدولة قال: غضب الشَّيخُ، وجاء بما لا نفهمه نحن ولا هو. ثم رحل أبو عليٍّ إلى بغداد واستقرَّ فيها إلى أن وافته منيَّتُهُ سنة (377هـ) ، وقد جاوز التسعين من عمره. رحمه الله رحمةً واسعة.
أخذ أبو عليٍّ عن جلَّةٍ من علماء زمانه، أشهرهم (2) :
أبو إسحاق الزجَّاج (ت 311 هـ) ، وأبو الحسن علي بن سليمان الأخفش الأصغر (ت 315 هـ) ، وأبو بكر محمد بن السري بن السراج (ت316 هـ) ، وأبو بكر بن الخياط (ت 320 هـ) ، وأبو بكر محمد بن الحسن بن دريد (ت321 هـ) ، وأبو بكر بن مجاهد (ت 324 هـ) ، وأبو بكر مبرمان (ت325هـ) .