ج- نقد المرأة لذاتها
وهذا النوع من النقد يكاد يكون قليلا في الحركة النقدية العربية بشكل عام، ولعل ذلك عائد في رأيي إلى عدة عوامل أهمها:
أ - الفهم الخاطيء لمعنى النقد والمقتصر في تقدير كل ناقد على نقد الآخرين فقط.
ب - العامل النفسي الذي يشعر صاحبه بالكمال في كافة الجوانب.
ج - عدم وجود الدربة والمهارة لممارسة هذا النوع من النقد بأسلوب فني مناسب.
د - الخوف من التجرد من " الموضوعية " المقياس الأهم في نقد العمل الأدبي.
ولان هذا التقصير يكاد ينسحب على الحركة النقدية بشكل عام، فمن المتوقع أن لا نجد على المستوى النسائي شيئا في هذا المجال، ولعل الناقدة الوحيدة التي انفردت بهذا النوع من النقد هي " نازك الملائكة "التي تعرضت بالنقد لقصيدة شعرية خاصة بها بعنوان " أغنية لطفلي " وقد دفعها لذلك ما كتبه عنها الأستاذ عبد الجبار داوود البصري تحت عنوان " الطفل في الشعر العراقي الحديث " علما بأنها لم تكن سابقا ترد على النقاد إيمانا منها بحرية النقد واحتراما لمهمة الناقدة تقول نازك: " وكان موقفي هذا ولم يزل يصدر عن إيماني بحرية النقد واحترامي لمهمة الناقد، ولذلك لم يحدث عبر ثلاثين عاما من حياتي الأدبية أن اشتبكت مع باحث أو دارس في حوار مطبوع، فأنا اقرأ ما يكتبون عني واستمتع به أو أضيق. فلا اكتب ردودا ولا تعليقات، بحيث أصبحت هذه ظاهرة معروفة عني في مختلف الأوساط الأدبية (80) .
ثم تحاول نازك أن تعلل خروجها عن المألوف وتصديها للأستاذ البصري فتقول:
" إنني أتصدى للكتابة مدفوعة بالشوق إلى أن أخوض تجربة جديدة في النقد " (81) ثم تبين أنها ستقف عند قصيدتها بكل موضوعية، فتقول:
" أرجو أن يكون ملحوظا أنني حاولت أن اقف من القصيدة المنقودة موقف الناظر من الخارج لا موقف الشاعرة التي نظمتها وبذلك عاملتها كما لو كانت قصيدة شاعرة غيري " (82) .
وهي في معرض نقدها لهذه القصيدة تركز على قضايا الشكل والمضمون مؤكدة أن القصيدة تخلو تماما من التلكف والتناقض كما ذكر البصري، ذلك أن اللغة العلمية تختلف عن اللغة الشعرية، فاللغة الشعرية تهوم وترمز وتشع وتشحذ الخيال في حين أن اللغة العلمية تلتزم بالمعنى المتفق عليه للألفاظ التزاما تاما.
وتشير نازك إلى الأساليب التي استخدمتها في قصيدتها، فتبين أنها جاءت بها لإثارة الاهتمام. . ثم إنها كانت تحمل وظائف جمالية وتربوية وقصصية، وأما التكرار فقد كان لإقناع الطفل بوسيلة لفظية تسره، ولان هذا التكرار يربط آخر كل شطر بأول الشطر التالي، إضافة إلى الوظيفة التعليمية له.
وتؤكد نازك أن هذه القصيدة تحمل معاني كثيرة أهمها أنها تعطي صورة حزينة لحياة الشعب العراقي، وتعكس ظاهرة الإيمان الديني العميق الذي يتصف به الشعب العراقي (83) وهي بهذا تحاول أن تدافع عن قصيدتها مؤكدة أنها تحمل هموما وأبعادا واضحة، وأن لها دورا توجيهيا مميزا في الحياة.
وفي موقع آخر تنتقد نازك الملائكة ذاتها بكل موضوعية وتجرد معتذرة عن بعض الآراء التي اتخذتها بشأن الشعر الحر في كتابها " قضايا الشعر المعاصر " حيث تقول:
" في عام 1962 صدر كتابي هذا في طبعته الأولى، وكنت قد أوردت فيه كل ما استطعت الوصول إليه من قواعد الشعر الحر ومسائله، ولذلك لم احتج إلى كتابة مقدمة له، أما الآن وأنا اصدر الطبعة الرابعة منه، فإن اثنتي عشرة سنة قد مر ت على الشعر الحر بعد وضعي لقواعده ودارستي لمسائله. وهذه السنوات قد جاءت بنقد كثير للكتاب، وقد أثار النقاد تساؤلات متعددة حول بعض آرائي فيه، بحيث أجدني مضطرة إلي أن اكتب لهذه الطبعة مقدمة أشخص فيها موقفي من الشعر الحر تشخيصا جديدا. ذلك أن المد العظيم من القصائد الحرة الذي غمر العالم العربي قد استثار عندي آراء جديدة، وأعطاني فرصة لاستكمال قواعد الشعر الحر، أو على الأقل للإضافة إليها، وغربلتها، ثم إن طائفة من القواعد التي وضعتها أصبحت تبدو لي على شيء من التزمت لأن سمعي نفسه قد تطو ر، وليس هذا غريبا وإنما هو مألوف في تاريخ التقنين للحركات الشعرية والبلاغية الجديدة " (84) .