ولعل البلاغيين والنقاد العرب القدماء قد توسعوا في مجالات المجاز في تجسيد الطاقة المولدة لشعرية العمل الإبداعي، وأنه يمنح النص الإبداعي خصوصيته الفنية، كما يشكل حداً فاصلاً بين لغة الشعر وبين لغة النثر العادي. الذي يعتمد إلى حد بسيط على النواحي البلاغية.
ومن هنا فقد أحصى ابن قتيبة (ت276هـ) ضروب المجاز عند العرب بحيث شملت كل ضروب البيان والبديع والمعاني في البلاغة العربية تقريباً. يقول: ضروب المجاز عند العرب هي: "الاستعارة، والتمثيل، والقلب، والتقديم والتأخير، والحذف، والتكرار، والإخفاء، والإظهار، والتعريض، والإفصاح، والكناية، والإيضاح، ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع، ومخاطبة الجميع خطاب الواحد، والواحد والجميع خطاب الاثنين، والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم وبلفظ العموم لمعنى الخصوص" (4) .
كما أضاف ابن أبي الإصبع المصري (ت 654هـ) في كتابه تحرير التحبير ضروباً أخرى تؤكد أهمية المجاز عند البلاغيين والنقاد العرب، ودوره في تشكيل النص الإبداعي وبنائه، حيث يقول: "والمجاز جنس يشتمل على أنواع كثيرة. كالاستعارة والمبالغة والإشارة، والإرداف، والتمثيل، والتشبيه. وغير ذلك مما عدل فيه عن الحقيقة الموضوعة للمعنى المراد" (5) .
وأما في الموروث النقدي والبلاغي اليوناني، فقد أسهب أرسطو في شرح مفهوم المجاز ودلالته وضروبه المختلفة لما لهذا اللون البلاغي من دور هام في تحديد الفرق بين اللغة العادية المعبرة عن الحقيقة وعن الوصف اللغوي المباشر وبين اللغة الإبداعية التي يشكل المجاز بضروبه المتعددة جوهرها وأساسها، فضلاً عن أن المجاز يشكل كذلك الطاقة المتجددة للغة الإبداعية في النصوص الأدبية.
ولهذا فقد بين أرسطو أن المجاز ضرب من ضروب الإبداع والموهبة. يقول: "فمن المهم استخدام كل ضرب من ضروب التعبير التي تحدثنا عنها: من أسماء مضاعفة مثلاً أو كلمات غريبة، وأهم من هذا كله البراعة في المجازات لأنها ليست مما نتلقاه عن الغير، بل هي آية المواهب الطبيعية، لأن الإجادة في المجازات معناها الإجادة في إدراك الأشباه" (6) .
كما وضح أرسطو الفرق بين اللغة العادية واللغة الإبداعية، حيث بين أن اللغة العادية هي التي تعبر عن المسميات، والوصف المباشر للأشياء، بينما اللغة الإبداعية هي المعبرة عن دلالة الأسماء. يقول: "الأسماء على نوعين: اسم بسيط (وأعني بالبسيط ما ليس بمركب من أجزاء دالة، مثل أرض واسم مضاعف، والأخير مركب إما من جزء دال وجزء غير دال، ولا نقصد أنه في الاسم نفسه هو دال أو غير دال أو من أجزاء دالة" (7) .
ومن هنا، فإن المجاز يتمحور حول اللغة الإبداعية ذات الدلالات المتعددة التي تدخل ضمن التأويل والتفسير، وتعدد الاحتمالات، وهذا ما وصفه ارسطو بالنقل أي تغير الدلالة حسب التركيب والاستخدام في اللغة الإبداعية، ذلك النقل الذي يعتمد على الاستعارة وضروب المجاز المختلفة. يقول: "والمجاز نقل اسم يدل على شيء إلى شيء آخر: والنقل يتم إما من جنس إلى نوع، أو من نوع إلى جنس، أو من نوع إلى نوع، أو بحسب التمثيل" (8) .
فالمجاز بهذا التحديد عند أرسطو يعني كل ما يتجاوز التعبير الحقيقي البسيط إلى التعبير المنطلق من تعدد الدلالات أو احتمالات التأويل والتفسير، وهذا يتحقق في الاستعارة، وضروب البلاغة المختلفة، ومن ثمة فإن المجاز يتعلق بأسلوب الكاتب أو الشاعر من حيث قدرته على الابتكار والإبداع (9) .
كما وضح أرسطو ضروب المجاز المختلفة التي تتعلق بأسلوب الكتابة الإبداعية مثل الألغاز التي هي مجازات تحتاج إلى التأويل والكشف والتفسير، حيث ترتبط هذه الألغاز بالمعنى. فالمجاز يتشكل من هذه الألغاز التي تثير دهشة المتلقي في التأمل والتأويل، وإدراك العلاقات بين أجزاء الكلام في النص. يقول: "فيمكن أن نستخرج من الألغاز المتقنة مجازات موافقة، لأن المجازات إن هي إلا ألغاز مقنعة، وبهذا نعرف مقدار نجاح نقل المعنى. فقد ينبغي أن يكون المجاز منتزعاُ من الأمور الجميلة" (10) .