ونظرا لقيام هيئة عين زبيدة بمهمة الإشراف على عمارة وصيانة منشآت المياه بمكة كما سبقت الإشارة إلى ذلك أيد الملك عبد العزيز رحمه الله الهيئة في أعمالها وساعدها أتم مساعدة في جميع ما فيه خدمة وراحة لعموم الأهالي والوافدين وكان إصلاح وعمارة عين عرفة من صميم وأهم أعمالها (16) ، ولم يكتف رحمه الله بذلك بل تقدم بمساعدة الهيئة من ماله الخاص وأمدها برجاله، لتستطيع أداء عملها وتحقق أهدافها (17) . يقول الزركلي "دخل عبد العزيز الحجاز و (عين زبيدة) التي يستقي منها سكان مكة والحجيج، تسقي الناس من اثني عشر موردا وانصرفت العناية إليها فضوعفت مواردها" (18) .
وقال الملك عبد العزيز رحمه الله بعد أن تسلم مدينة جدة في جمادى الآخرة عام 1344هـ/1925م: "إن بلد الله الحرام في إقبال وخير وأمن وراحة، وإنني- إن شاء الله تعالى-سأبذل جهدي فيما يؤمن البلاد المقدسة ويجلب الراحة والاطمئنان لها" (19) . ولاشك أن عنايته بعمارة عين عرفة لتوفير المياه لسكان مكة وحجاج بيت الله الحرام من أهم ما يجلب الراحة للمسلمين، وطريق من طرق الخير لكسب الأجر والثواب عند الله كما يقول رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة رضي الله عنها: "أنها قالت: يا رسول الله ما الشيىء الذي لا يحل منعه؟ قال: الماء والملح والنار. قالت: قلت يا رسول الله هذا الماء قد عرفناه فما بال الملح والنار؟ قال: يا حميراء من أعطى ناراً فكأنما تصدق بجميع ما أنضجت تلك النار، ومن أعطى ملحا، فكأنما تصدق بجميع ما طيب ذلك الملح، ومن سقى مسلما شربه من ماء حيث يوجد الماء فكأنما أعتق رقبة، ومن سقى مسلما شربة من ماء حيث لا يوجد فكأنما أحياها" (20) .
كما روى سعد بن عبادة أنه قال: "يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء" (21) .
2 حاجة العين إلى تتابع أعمال العمارة والصيانة:
تصل مياه عين عرفة من منبعها بالعقم في وادي نعمان إلى الأبطح بمكة المكرمة عبر قناة طولها نحو 8, 24كم وهي مبنية بالحجارة بسعة تتراوح بين 50 65 سم وعمق يتراوح بين 70 170سم وفي مواضع أخرى وخاصة في الأماكن التي تختفي فيها عن سطح الأرض بنيت القناة بشكل يمكن الإنسان من السير داخلها لصيانتها وعمارتها. ونظرا لارتفاع موضع منبع العين عن مكة المكرمة؛ استغل ذلك لضمان انسياب المياه طبيعيا، وأدى إلى اتخاذ أساليب معمارية تتفق وطبيعة الأرض؛ منها: بناء القناة على عمق نحو 34م عن سطح الأرض في وادي نعمان وبناؤها متعلقة بسفوح الجبال في مزدلفة وبداية العزيزية بالنسبة للمتجه منها إلى المسجد الحرام (22) .
وبناء على ما سبق تأثرت قناة العين بعدد من العوامل التي أدت إلى انقطاع أو قلة وصول مياه العين إلى بلد الله الحرام وكان ذلك من الدوافع المهمة لإجراء أعمال معمارية أو صيانة للقناة. ويمكن تتبع ذلك كما ورد في تقارير عين زبيدة بصحيفة أم القرى ابتداءا من عام 1353هـ/1935 إلى عام 1359هـ/1941م:-
أإن قناة العين بحاجة مستمرة إلى العناية بتنظيفها؛ لإزالة ما يمنع جريان الماء من الأتربة ورمال تأتي مع الماء من منبع العين، ويلحظ أن كمية الرمال هنا وافرة جدا بحيث أنها تفترش القناة بطول يصل إلى ثلاثة آلاف متر (23) .
ب إن بناء أجزاء من القناة في بطن وادي نعمان، أدى إلى تأثرها بمياه السيول آلتي تعد من العوامل المؤدية إلى دمار القناة أو انسدادها بالأتربة (24) .
ج نتج من بناء القناة وصيانتها قبل العصر السعودي وجود حفرة كبيرة في وادي نعمان طولها 1200م وعرضها ما بين 20 إلى 40م وعمقها من 4 إلى 7م أطلق عليها اسم (الفري) ، وكان ذلك يؤثر بشكل مباشر في انهيار الأتربة على القناة خاصة في موسم الأمطار وجريان السيول؛ مما يؤدي إلى انسداد القناة بالأتربة، ويتوقف جريان المياه إلى بلد الله الحرام (25) .