أولا: أهمية العين وتسميتها:
... اعتمد سكان مكة وحجاج بيت الله الحرام، على الآبار لتأمين احتياجاتهم من الماء، في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وعصر خلفائه الراشدين. وفي بداية الدولة الأموية وبالأخص في عهد معاوية بن أبى سفيان رضي الله عنه (40 60هـ / 660 680م) بدأت أول محاولة للإفادة من مياه العيون لسقيا السكان والحجاج، ثم توالت الأعمال لجلب مياه العيون إلى مكة المكرمة، إلى أن قامت السيدة زبيدة زوج هارون الرشيد، بجلب مياه عين وادي حنين إلى مكة سنة 194هـ/809م، ثم أجرت مياه عين عرفة من وادي نعمان إلى عرفة ثم إلى العزيزية حيث أوقفت العمل هناك، لوجود منطقة صخرية حالت دون إيصال مياه العين إلى مكة المكرمة.
وفي عام 969هـ/1561م قلت المياه بمكة وظهرت الحاجة إلى إيصال مياه عين عرفة إلى مكة، وتأكد ذلك بدراسة أجرتها لجنة في ذلك التاريخ، أفادت فيها أن عين عرفة أقوى العيون وأكثرها غزارة بالمياه، وبناء على ذلك بدئ العمل في تكسير المنطقة الصخرية الممتدة من حديقة الطفل بالعزيزية إلى موضع مبنى إمارة مكة المكرمة الآن ووصلت المياه إلى مكة في عام 979هـ/1571م، وذلك بعد عمل استمر لمدة عشر سنوات (1) ، واستمرت العين في عطائها إلى العصر السعودي مع حاجة قناتها إلى الصيانة والعمارة.
... وتتضح أهمية مياه عين عرفة في سقيا سكان مكة وحجاج بيت الله الحرام في العصر السعودي؛ فيما كتبه الشيخ محمد نور قمر علي رئيس قسم توزيع مياه عين زبيدة بمكة المكرمة، حيث تبين له من خبرته التي دامت 27 سنة في عمله، أن مياه عين عرفة احتلت أهمية كبيرة في سقيا السكان والحجاج، لتوقف وصول مياه عين حنين التي دمرتها السيول، وكان آخر إصلاح لها في سنة 1328هـ/1910م، وذلك باستثناء جزء يسير يأتي من عين الزعفران إحدى روافد قناة عين حنين حتى تاريخ 24 –5-1377هـ (2) . 16- 12-1957م
... أما تسمية العين فقد وردت في بعض المصادر والنقوش الكتابية والوثائق باسم "عين عرفة" (3) و"عين عرفات" (4) و "عين زبيدة" (5) بينما وردت في المصادر المتأخرة باسم "عين وادي نعمان"و"عين نعمان" (6) و "عين زبيدة" (7)
وقد استمرت هذه التسمية الأخيرة في كتابة التقارير المنشورة بصحيفة أم القرى (8) ، واستمرت إلى الوقت الحاضر.
ونظرا لقيام السيدة زبيدة بإجراء عين حنين إلى مكة؛ فإن تسمية عين عرفة "بعين زبيدة" قد يؤدي إلى تضارب المعلومات؛ مما يجعلنا نرجح التسمية الأولى "عين عرفة" التي وردت في المصادر والنقوش الكتابية والوثائق.
ثانيا: دوافع عمارة العين في عهد الملك عبد العزيز:
.. أولى الملك عبد العزيز رحمه الله عين عرفة عناية كبيرة؛ لأهميتها في سقيا سكان بلد الله الحرام وحجاجه الكرام؛ فأمر بصيانتها وعمارتها ليوفر للمسلمين حاجتهم من الماء، وكان من أهم الدوافع التي جعلت الملك عبد العزيز يقوم بعمارتها ما يلي:
1 عامل الدين والمسئولية:
... سبق عهد الملك عبد العزيز رحمه الله تشكيل لجنة في سنة 1295هـ/1878م، لجمع التبرعات والصرف منها لصالح مشروعات المياه بهذه المدينة ومشاعرها المقدسة أطلق عليها اسم "لجنة عين زبيدة"0وكان من أسباب قيامها ما لحظه بعض أعيان مكة وحجاج الهند من صعوبة في الحصول على الماء بمكة المكرمة والمشاعر المقدسة وما ينال الحجاج من مشقة في سبيل ذلك لعدم كفاية الموارد المالية المخصصة من الدولة العثمانية لعمارة وصيانة منشآت المياه بالبلد الحرام ومشاعره المقدسة (9) .
وقد استمرت اللجنة في أداء عملها بكل دقة واعتناء إلى أن حصل نوع من التدخل من طرف الولاة العثمانيين السابقين على صندوق عين زبيدة، فاستاءت اللجنة وتوقف العمل، ثم تشكلت لجنة جديدة تولى رئاستها عدد من وجهاء مكة، وفي سنة 1327هـ/1909م، تشكلت بمكة المكرمة هيئة جديدة لجمع التبرعات والصرف منها لصالح مشروعات المياه بمكة المكرمة، فاستمرت في أداء عملها إلى أوائل عام 1341هـ/1922م، عندما تم انتخاب أعضاء جدد لهيئة عين زبيدة (10) ، نظرا لوفاة أكثر الأعضاء السابقين، فقامت هذه الهيئة بأعمالها (11) . وبعد أن تمكن الملك عبد العزيز رحمه الله من ضم مكة المكرمة إلى دولته في عام 1343هـ/1924م، ثم جدة في عام 1344هـ/1925م (12) أصبح أمر العناية بالحجاج والزوار وتسهيل مهمتهم من أهم أعماله (13) ، ولهذا وجه اهتمامه منذ السنوات الأولى من حكمه في الحجاز إلى العناية بأمر توفير الماء (14) ، بما يمكن المسلمين من أداء فريضتهم في يسر وسهولة، ويوفر لهم سبل الحياة. قال تعالى: (وجعلنا من الماء كل شيء حي ((15) .