أقول: نعم لقد كانت صقلية وفي خلال عصورها الإسلامية المختلفة مركزاً علمياً إسلامياً كبيراً على الرغم من اختلاف توجهات قادتها السياسية من سنيين وشيعة، فلقد كانت وبشهادة المصادر المعاصرة لتلك العصور مضاهية للأندلس في العلماء والأدباء والفقهاء، بل أصبحت لها مدارس فكرية وثقافية مستقلة ذات شخصية صقلية بحتة، مما أدى بعد ذلك إلى نشوء علاقات ثقافية بينها وبين البلدان الإسلامية المختلفة، إذ كان يطمع أولئك العلماء والفقهاء في البلدان الأخرى إلى التتلمذ على علماء وفقهاء صقلية إما مباشرة عن طريق التلقي أو عن طريق الإجازة.
واستمر تميز صقلية الثقافي حتى بعد سقوطها في أيدي النورمان، مما أغرى أولئك المستعمرون لها على الإبقاء على هؤلاء المسلمين طمعاً في النيل من ثقافتهم وحضارتهم ومدنيتهم وكل مظاهر مثاليات إسلامهم.
وهذا التوجه لدى أولئك المستعمرين أبقى على وجود الشخصية المسلمة في صقلية فترة تقرب من قرن ونصف بعد سقوطها من أيدي المسلمين. استغله أولئك القوم من الحكام الجدد في احتضان العباقرة من المسلمين وتمكينهم من التأليف، والترجمة حتى غدت صقلية مركزاً من مراكز العلم والترجمة في العصور الوسطى، وفيها بدأت نواة المدارس والجامعات التخصصية بتأثير مباشر من العلماء المسلمين ومؤلفاتهم المترجمة.
واليوم لقد أصبحت جزيرة صقلية جزيرة منسية كما هو الحال للكثير من البلدان الإسلامية التي كان للمسلمين فيها الكلمة الفصل، ولم يعدنا بوسعنا إلا أن نقول: إن المسلمين كانوا هناك، والله غالب على أمره.
الحواشي والتعليقات
كان ذلك البحث عبارة عن رسالة دكتوراه نوقشت بجامعة أم القرى عام 1414هـ، وطبعتها الجامعة على نفقتها.
الدمشقي، نخبة الدهر وعجائب البر والبحر، ص 140.
انظر: الموسوعة العربية الميسرة، ص 1126.
ابن حوقل، صورة الأرض، ج2، ص 113. الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، ج2 ص 590-595.
حامد زيدان، تاريخ الحضارة الإسلامية في صقلية، ص 11-12.
الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج4، ص 288.
البلاذري، فتوح البلدان، ص 329.
لمزيد من التفصيل انظر: علي محمد الزهراني، الحياة العلمية في صقلية الإسلامية، ص 37 وما بعدها.
زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب بن سالم بن عقال، تولى بعد أخيه عبد الله وكان من أفضل أهل بيته وأفصحهم لساناً، وأكثرهم بياناً، وكان يقول الشعر، ولا يعلم أحدٌ قبله سمي زيادة الله، توفي سنة 223هـ / 838م
ابن الآبار، الحلة السيراء، ج1، ص 163.
أبو عبد الله أسد بن الفرات الحراني، المغربي، الإمام، القاضي، روى عن مالك بن أنس كتابه الموطأ. ألف الأسديه في الفقه المالكي، توفي محاصراً لمدينة سرقوسه من جزيرة صقلية سنة 213هـ / 828م. ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج3، ص 182.
المالكي، أبو عبد الله بن محمد، رياض النفوس، ج1، ص 188. ابن الأثير، الكامل، ج6، ص 335
أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن زكريا الصنعاني، من أهل صنعاء اليمن، وهو القائم بالدعوة العبيدية نسبة إلى عبيد الله المهدي، كان من الرجال الدهاه، الخبيرين بالجدل والحيل، دخل بلاد افريقية بلا مال ولا رجال، ولم يزل بها إلى أن ملكها، وقتل على يد عبيد الله المهدي سنة 298هـ / 910م - ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج2 ص 192.
أبو مضر زيادة الله بن عبد الله بن إبراهيم، ويعرف بزيادة الله الأصغر، توفي بالرمله سنة 304هـ 916م - ابن خلكان، المصدر السابق، ج2، ص 193، ابن الآبار، الحلة السيراء، ج 1، ص 175.
مدينة رقاده بناها إبراهيم بن أحمد بن الأغلب واتخذها عاصمة له سنة 263هـ / 876م، وبنى بها قصوراً ومساجد وأسواقاً وحمامات ومكتبات. ياقوت، شهاب الدين أبو عبد الله، معجم البلدان، ج 3، ص 55.
تنتمي الأسرة الكلبية إلى قبيلة قضاعة اليمنية، وقضاعة ترجع إلى العرب القحطانية، وينسبها البعض إلى العرب العدنانية. ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج6، ص 157. القلقشندي، نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، ص408.