ومما يدلل على عدم اهتمام تانكربد بالمسلمين وبغضه لهم أن جميع الوثائق في عهده القصير لم تكتب باللغة العربية، كما هو الحال في عصور أسلافه، بل كتبت باللغة اللاتينية فقط (143) .
وبعد فقد انتهى الحكم النورماني لجزيرة صقلية بعد احتلال الجرمان لها كما سبق وأن أشرنا إلى ذلك آنفاً. ولم يبق فيها إلا القليل من المسلمين، حيث بدأوا في الهجرة منها إلى جنوب إيطاليا، وشمال إفريقيا، وذلك إثر التعذيب الذي تلقوه في أواخر حكم فريدريك الثاني ملك صقلية وإمبراطور ألمانيا (609 – 648هـ / 1212 – 1250م) ذلك التعذيب الذي وصل إلى حد الإحراق والصلب، ثم تابع مهمة التعذيب، وإخراج المسلمين من جنوب إيطاليا الملك شارل دانجو، حيث لم تأت سنة 700هـ /1300م، وهناك أحد من المسلمين في صقلية وجنوب إيطاليا.
واختفى الإسلام والمسلمون من صقلية وجنوب إيطاليا، وهدمت مساجدهم التي هي رمز عبادتهم ودلالة وجودهم ومن فوق مآذنها كانت تدوي كلمة التوحيد.
ولكن هل هناك الآن ما يدل على أن المسلمين كانوا هناك، نعم فلقد بقي بعض الشيء مما كان للمسلمين.
فهناك بقايا قصور إسلامية، وعليها كتابات عربية، حيث ظلت أسماء عربية باقية إلى يومنا هذا في اللغة الصقلية والإيطالية، ومن ذلك أسماء القلاع والمراسي والشوارع، مثل قلعة النساء، وقلعة فيمي، وقلعة الحسن وقلعة البلوط. وكذلك كلمة مرسى، مثل مرسى علي، ومرسى المينا.
ومن الكلمات العربية الموجودة اليوم في صقلية: منزل، مثل منزل الأمير، ومنزل يوسف، ومنها أيضاً رمل الموز، رمل السلطانه، القنطرة، وادي الطين، رأس القلب، رأس الخنزير، رأس القرن (144) .
يقول لويجي رينالدي: (إن الجزء الأعظم من الكلمات العربية الباقية في لغتنا الإطيالية التي تفوق الحصر إنما دخلت في اللغة لا بطريق الاستعمار العربي، ولكن بطريق المدنية التي كثيراً ما تؤلف وتؤاخي بين مظاهر الحياة المختلفة) (145) .
وأضاف قائلاً: (وإن وجود هذه الكلمات في اللغة الإيطالية ليشهد بما كان للمدينة العربية من نفوذ عظيم في العالم المسيحي، وبما كان من العلاقات التجارية بين بلادنا وبين المسلمين في الشرق، وإفريقيا الشمالية وصقلية) (146) .
وقد عدّ لويجي رينا لدي كثيراً من تلك الكلمات، ولا سيما في لغة العلم، ثم قال إن جنوة اضطرت أن تؤسس سنة 604هـ / 1207م مدرسة لتعليم العربية، وذلك يدل على وجود كلمات عربية في لغة هذه المدينة (147) .
واستمرت العربية في صقلية مدة طويلة بعد خروج المسلمين منها، حتى أن النصارى استخدموها لغة للتخاطب والكتابة، كما استخدموا التاريخ الهجري (148) .
ومما بقي من آثار المسلمين إلى اليوم بقايا قصر القبة بطابعه المعماري العربي في مدينة بلرم، بأقواسه الهندسية الرائعة، ونقوشه وكتاباته الكوفية، وعيونه الجارية التي تغذي النافورة الواقعة في وسط البهو الكبير ببصمات عربية رائعة.
وكذلك بقايا قصر الفواره، الذي كانت تحيط به بركة صناعية، والقصر الملكي، الذي أنشأه المسلمون واستخدموه مقراً للإمارة، ثم استخدمه النورمان من بعدهم.
ومما بقي من آثار المسلمين في صقلية قصر العزيز بطابعه الإسلامي النورماني والذي هو الآن المتحف الإسلامي في صقلية.
وإلى هنا وينتهي ذلك الدور الصقلي العظيم، الذي كانت فيه صقلية مركزاً مهماً من مراكز الحضارة الإسلامية بجميع فروعها وأنشطتها في العلوم والفنون والعمارة والزخرفة والطب والصيدلة، وغير ذلك مما برز فيه المسلمون على غيرهم من الأمم، ذلك الدور الذي بدأ من أول خطوة خطاها القائد الفاتح أسد بن الفرات الذي كان فتحه لها فتحاً علمياً وثقافياً، إذ أنه اصطحب معه في جيشه الكثير من العلماء والفقهاء والوجهاء، وأعلن لهم قبل المسير أن العلم هو سبب التفوق، فلله دره من قائد محنك، وعالم وفقيه فريد، ورحمه الله رحمة واسعة.