تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويحاول الزيريون مجدداً إنقاذ صقلية، فيرسلون إليها أسطولاً ضخماً، مشحوناً بالرجال والعتاد، فتستقبله الريح في البحر وتغرقه (28) ، لتستمر بذلك الفرصة متاحة للنورمان في الاستيلاء على مدن ومعاقل صقلية، واحدة تلو الأخرى.

وتسقط جميع مدن صقلية بآخر معاقلها سنة 484هـ / 1091م، ويملكها روجر النورماني، ويسكنها الروم والفرنج مع من بقي من المسلمين (29) .

وبذلك سيطر المسيحيون على البحر المتوسط كأكبر نتيجة ترتبت على سقوط جزيرة صقلية، ولم نعد نرى الوقت الذي وصف فيه ابن خلدون النصارى بأنهم لا يستطيعون أن يطفوا لوحاً من الخشب في هذا البحر (30) .

ويستمر حكم النورمان لصقلية – على خلاف بين المؤرخين – من سنة (444هـ / 1052م) إلى تولي هنري السادس وزوجته كونستانس عرش صقلية سنة (591هـ / 1194م) ، حيث أصبحت ضمن أملاك الإمبراطورية الرومانية.

مظاهر الوجود الإسلامي في صقلية

في عهد النورمان

يجدر بنا أن نشير هنا قبل الدخول في الحديث عن تلك المظاهر إلى الحديث عن مجتمع صقلية، فقد كان يتكون من المسلمين بعناصرهم المختلفة من العرب، والبربر، والفرس، ومن النصارى، واليهود (31) .

وهذا التعدد في الطوائف السكانية، وما يتبعه من اختلاف في العقائد والمذاهب، والتوجهات، والطموحات، كان لابد معه من تفكير ملي من جانب حكام صقلية الجدد لمحاولة السيطرة على الجزيرة والخروج بها بعيداً عن الصراعات الدينية والعرقية، والعنصرية.

وما يهمنا هنا بداية هو حال المسلمين مع أولئك الحكام النورمان، فقد خرج روجر الأول وهو أول حكام صقلية بعد سيطرة النورمان عليها، بفكرة وسياسة بقاء المسلمين في صقلية.

وأسباب تلك السياسة لا تغيب عن أذهان المنصفين، ذلك أن الإسلام بعقيدته ومبادئه وأهدافه وسلوكه … هو دين الحياة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، فهو الدين الذي يدعو إلى التسامح، وإلى العلم، والعمل، والإخلاص والدقة فيهما.

والمسلمون هم الفئة المنتجة البناءة المخلصة في أي مجتمع يعيشون فيه؛ كما أنهم الأكثرية في المجتمع الصقلي هذا من جانب وفي الجانب الآخر فإن المسيطر الجديد (المستعمر) هم أقليه، وليست لهم حضارة كحضارة المسلمين في ذلك العصر والتي شملت كل مجالات الحياة.

إذاً التسامح مع المسلمين هو الأفضل، على الأقل في تلك الفترة الأولى بعد خروجها من أيدي المسلمين، ولكنه ليس تسامحاً مطلقاً بل اعتراه بعض صنوف الاضطهاد.

وقد اتخذ ذلك التسامح والاضطهاد، مظاهر شتى من قبل روجر الاول (463- 495هـ / 1071 – 1101م) الذي وضع ما يمكن أن نسميه بالخطوط العريضة لسياسة النورمان تجاه المسلمين في صقلية.

وتبدو لنا المعلومات بداية فيها نوع من التناقض، ففي الوقت الذي تشير فيه إلى أنه ترك للمسلمين حريتهم الدينية، ولم يعترض على إقامة تلك الشعائر، ولم يعمد إلى القتل والتعذيب (32) ، تذكر أيضاً أن من ضمن الإجراءات التي عملها هي تلك التي عمد فيها إلى تحويل المساجد إلى كنائس، وتعيين رئيس أساقفة عليها، وكان يونانياً (33)

إما الإدريسي (34) وهو ممن عاش في البلاط النورماني – مما سنتحدث عنه لاحقاً – فيقول عن روجر الأول ممتدحاً: (ولما صار أمرها – أي صقلية – إليه واستقر بها سرير ملكه، نشر العدل في أهلها، وأقرهم على أديانهم وشرائعهم، وأمنهم في أنفسهم وأموالهم وأهليهم وذراريهم، ثم أقام على ذلك مدة حياته إلى أن وافاه الأجل المحتوم) (35) .

ومن أهم ما أقدم على عمله روجر الأول لإثبات حسن نواياه تجاه المسلمين، أنه سك عملة نقدية، كتب على أحد وجهي تلك العملة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) (36) . وقد يبدو الهدف من ذلك هو ملاطفة عواطف المسلمين المغلوبين بعبارة هي رمز عزتهم، وعماد دينهم، فالإبقاء عليها من خلال العملة يوحي لهم بأن لهم مكانة بين شعوب الجزيرة من الأديان الأخرى، وبالتالي يجب على الفئات الأخرى أن تحترمهم، أو على الأقل تكف عن إيذائهم.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٢٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٢٠٢