وفي 5 جمادى الآخرة سنة 193هـ / 808م (8) توفي الخليفة هارون الرشيد، وتوقفت حملات الصوائف والشواتي على الإمبراطورية البيزنطية؛ لانشغال المسلمين بفتنة الأمين والمأمون في الفترة 193 – 198هـ / 808 – 813م (9) ، إلاّ أنه استطاع بعدها المأمون أن يُعيد وحدة الدولة العباسية، وأخذ يتفرغ لمواجهة البيزنطيين (10) .
ولم يظهر من جانب البيزنطيين عداء للمسلمين؛ لانشغالهم بحرب البلغار ومصرع نقفور الأول في 194هـ / 809م وتولية ستوراكيوس ثم ميشيل رانجابي صهره في نفس السنة، ثم عزل الأخير سنة 197هـ / 812م على يد ليو الأرمني الذي اعتلى العرش الإمبراطوري في الفترة 198 – 205هـ / 813 – 820م (1) ، ثم إن حملات الرشيد تركت أثراً كبيراً في الدولة البيزنطية، لم تفق منه بسهولة ويسر، يدل على هذا أنها لم تحاول أن تستغل التصدع في داخل الدولة العباسية إبان الفتنة بين الأمين والمأمون، وكانت الفتنة فرصة مواتية لأي هجوم مضاد يستعيد ما فقد في عهد الرشيد (2) .
ومن أهم الأسباب التي حالت بين البيزنطيين وبين مواصلة العدوان التفاهم الذي توطّد بين العباسيين والفرنجة (3) - بخوفهم من تعاون الطرفين عليهم -، والذي لم يختف بوفاة الرشيد بل ظلت أواصره معقودة حتى أوائل عصر المأمون وحين نقرأ أن آخر السفارات التي وصلت إلى البلاط العباسي كانت سنة 216هـ / 831م (4) نعرف أن التفاهم بين الجانبين العباسي والفرنجي استمر بعد الرشيد مدة طويلة.
وهكذا كانت العلاقة بين الدولة العباسية والإمبراطورية البيزنطية – خلال أيام الرشيد – عدائية متوترة، إلاّ ما تخلّلها من بعض المهادنات، فبعد أن استكمل الرشيد تحصينات الثغور المتاخمة للبيزنطيين، وأقام منطقة العواصم – وقاعدتها منبج – واصل سياسة آبائه وأجداده، وشنّ الحملات على أرض الروم، وأظهر القادة المسلمون وفي مقدمتهم الخليفة هارون الرشيد صوراً من البطولة والشجاعة جعلت الروم ينهزمون أمامهم مرات عديدة، فأمّن المسلمون ثغورهم وباغتوا عدوهم في داخل أرضه.
وأحسن المسلمون – بعد النصر – معاملة أسراهم، كما حدث مع زوجة استبراق ابن نقفور وإكرامها بالهدايا، وردّ أسرى قبرص إلى بلادهم، في حين أساء الروم إلى أسرى المسلمين فقد ذكر أنهم كانوا يغلون قدور الزيت ويلقون المسلمين فيها إرغاماً على النصرانية (1) .
• • •
الخاتمة:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فنحمد الله على تيسيره إنجاز هذا البحث الذي تمخض عن الآتي:
أولاً: كانت استراتيجية الخلافة العباسية – في عهد الرشيد – مع الروم استكمال تحصينات الثغور، وتحديد أسلوب القتال بالصوائف والشواتي، بينما قامت استراتيجية الإمبراطورية البيزنطية – في نفس الفترة – على إخلاء منطقة الحدود في أطراف دولتهم من السكان؛ لئلا تتعرض لهجمات المسلمين، وإبقاء بعض الحاميات للدفاع عنها.
ثانياً: ترتب على سياسة الرشيد على الحدود الإسلامية أنه لم يستطع الروم اختراق منطقة الثغور لحصانتها القوية مما حقق الأمن في منطقة الثغور الشامية خاصة إنطاكية والمصّيصة والعواصم.
ثالثاً: أثرت العلاقة بين الطرفين على اقتصاد الدولة البيزنطية، فقد ظلت إيريني تدفع الجزية للمسلمين في الفترة 164 – 186هـ / 780 – 802م، ثم دفع نقفور كذلك الجزية سنة 178هـ / 803م.
رابعاً: كما تركت العلاقة أثرها على أمن الدولة البيزنطية، فحين وجد الجيش البيزنطي حرص إيريني على مركزها عند المسلمين وعند غيرهم ضعف دفاعه عن بلاده.
خامساً: لم تكن سياسة نقفور في نقض الصلح مع المسلمين تحدياً منه لهم، بقدر ما كانت تهدئة لنفوس الروم من الشعب والجند حين اتهموه بالخوف والضعف وعدم القدرة على مجابهة المسلمين، والدليل على ذلك مبادرة نقفور إلى مصالحة المسلمين ودفع الجزية لهم حال علمه بوصولهم إلى بلاده.