تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن المعلوم أن العقل المجرد لا يمكنه إدراك ما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات على وجه التفصيل، فوجب الرجوع في علم ذلك على النصوص القرآن والسنة.

فمن فضل الله ونعمته أن تَعَرَّف لعباده عن طريق ما أخبر به من أسمائه وصفاته الواردة في القرآن والسنة، فهما مليئان بالنصوص الصريحة الدالة على أسمائه وصفاته، وتلك النصوص هي من الوضوح والكثرة بمكان بحيث يستحيل إنكارها وتأويلها والتلاعب بنصوصها. وكلما ازداد المسلم إطلاعاً ومعرفة بتلك النصوص وما دلت عليه، لم يزده إنكار أهل الباطل لها إلا احتقاراً لهم ويقيناً بفساد معتقدهم وبطلانه.

ولقد جاءت رسالة النبي (بإثبات الأسماء والصفات إثباتاً مفصلاً على وجه أزال الشبهة وكشف الغطاء، وحصل العلم اليقيني، ورفع الشك والريب فثلجت به الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، ففصلت الأسماء والصفات والنعوت والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقررت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ.

وهذه الأصول الكلية هي التي ميزت عقيدة أهل السنة عن عقائد خصومهم، فضمنت لهم بحمد الله صحة المعتقد وسلامة المنهج. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات وجهل وظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم)) (1) .

وما ضل من ضل في هذا الباب وغيره إلا بتركه لتلك الأصول الكلية التي يجب الرجوع إليها في جميع مسائل الدين كبيرها وصغيرها، فالسعيد من لزم السنة وتمسك بكتاب الله وسنة نبيه محمد (وفهم السلف الصالح.

قال الإمام أحمد: ((اعلم رحمك الله أن الخصومة في الدين ليست من طريق أهل السنة، وأن تأويل من تأول القرآن بلا سنة تدل على معنى ما أراد الله منه، أو أُثر عن أصحاب رسول الله (، ويعرف ذلك بما جاء عن النبي (أو عن أصحابه فهم شاهدوا النبي (، وشهدوا تنزيله، وما قصه الله له في القرآن، وما عنى به، وما أراد به أَخاص هو أم هو عام.

فأما من تأوله على ظاهره بلا دلالة من رسول الله (ولا أحد من الصحابة، فهذا تأويل أهل البدع؛ لأن الآية قد تكون خاصة ويكون حكمها حكماً عاماً، ويكون ظاهرها على العموم، وإنما قصدت لشيء بعينه، ورسول الله (هو المعبر عن كتاب الله وما أراد، وأصحابه أعلم بذلك منا، لمشاهدتهم الأمر وما أريد بذلك)) (2) .

فهذه العبارة وما حوته من قواعد رسمت منهج أهل السنة والجماعة، ذلك المنهج الذي لم يتغير باختلاف المسائل ومرور العصور وتعدد الأجيال.

فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الحواشي والتعليقات

وسطية أهل السنة بين الفرق ص 92-94، وكتاب لزوم الجماعة ص 276-277.

تفسير ابن كثير 1/390.

قال شيخ الإسلام: ((ولا ريب أنهم (أي الرافضة) أبعد طوائف المبتدعة عن الكتاب والسنة، ولهذا كانوا هم المشهورين عند العامة بالمخالفة للسنة، فجمهور العامة لا تعرف ضد السني إلا الرافضي، فإذا قال أحدهم أنا سني فإنما معناه لست رافضي)) . مجموع الفتاوى 3/356.

منهاج السنة 2/221 ط: جامعة الإمام محمد بن سعود.

بيان فضل علم السلف على الخلف لابن رجب (ص150-152) ، وأصول اعتقاد أهل السنة للالكائي 1/9-10.

معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات ص 54.

انظر الحجة في بيان المحجة 1/321.

مجموع الفتاوى 3/338-339 بتصرف.

انظر تفصيل هذه المسألة في كتاب وسطية أهل السنة والجماعة بين الفرق للدكتور/ محمد باكريم.

التحريف لغة: التغير والتبديل. والتحريف في باب الأسماء والصفات هو: تغيير ألفاظ نصوص الأسماء والصفات أو معانيها عن مراد الله بها.

التعطيل لغة: مأخوذ من العطل الذي هو الخلو والفراغ والترك، والتعطيل في باب الأسماء والصفات هو: نفي أسماء الله وصفاته أو بعضها.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٠٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٠٤١