ذلك الدور السياسي ـ بل وذلك الدور الفكري المبتكر ـ الذي لعبه في المغرب. ومما يدعو إلى التأمل أن يكون مستوى طموحه هنا الوصول إلى كرسي القضاء ... ورأيي أن السبب لا يرجع إلى زهده في السياسة، بل أن السبب هو أن السياسة كانت أضخم منه» (1).
وبعد لم يكن في عهد المماليك نظام مستقر للحكم، ولم يكن الجو السياسي فيها يسير في اتجاه يستهدف مصلحة الشعب. مماليك غرباء عن مصر بيدهم زمام الأمور، يتطاول بعضهم على بعض، ويعيشون في جو من الدسائس والمؤتمرات، يعيشون بمقدرات الشعب ويرهقون كواهله بالضرائب الفادحة، فلا يأمن المرء على ماله وروحه منهم، وبين حين وآخر يسقط مملوك ضعيف ليجلس على كرسي الحكم مملوك ضعيف ليجلس على كرسي الحكم مملوك غالب، والشعب في واد وهؤلاء المحاكمون في واد آخر، كذلك كان جو السياسة في مصر، فهل نعتقد مع المؤلف أنه كان أضخم من ابن خلدون؟.
ونزوج ابن خلدون إلى مصر أنما تم بعد أن مل جو المغامرات، وحينما أحس بالسعاية والوشايات تكاد تمسك بخنافته في تونس، آنذاك رحل إلى مصر أشبه ما يكون بلاجئ سياسي ينشد مكانا آمينا ـ إلى حد ما بالنسبة إليه ـ يقضي فيه بقية حياته، ولم يصل إليها إلا بعد أن بلغ الثالثة والخمسين من عمره، وبعد أن ودع سن الشباب الحافز إلى الطموح والمغامرة، وكان يرمي إلى حياة غير عاصفة لينظر في مؤلفاته، تلك التي ألفها فيما مضى وليستأنف العمل في كتابه التاريخ الذي بدأ في تدوين فصول منه قبل رحيله إلى مصر، يضاف إلى هذا النكبة التي حلت به، وتتمثل في غرق أفراد أسرته، وهي وحدها كفيلة بأن تخمد جذوة حماسه وطموحه، وترمي به في بؤرة من اليأس القاتل.
تلك الأسباب التي يحجم عن خوض غمار السياسة في مصر، على أن مكانته العلمية فرضت وجوده، فلمع في المجتمع المصري وولاة السلطان يرقوق قضاء المالكية، وقربه ناصر الدين وخلع عليه ألقاب الشرف، وأخذه في زمرة العلماء الذين رحلوا معه في رحلته ضد تيمورلنك، ولعب دورا مهما في السياسة بتخليصه علماء مصر من أسر تيمور لنك.
والكاتب ليس الوحيد الذي حاول النيل من مكانه ابن خلدون، فمن خلال المحاضرات والمناقشات العلمية التي كنت احضرها بمصر كنت استشف مبلغ سوء الحظ الذي يلقاه ابن خلدون، وعدم التقدير من بعض المفكرين العرب! ففي محاضرة للدكتور عبد اللطيف حمزة مدير معهد الصحافة بجامعة القاهرة كان يتحدث عن منهج ابن خلدون في المقدمة فقال: «ذهب ابن خلدون إلى أن الغاية من التاريخ هي شرح تطور المجتمع البشري في أشكاله المختلفة، وقال بوجود قوانين تتحدث عن هذا التطور وسير الحركة الاجتماعية على وقفها، وقد أطلق على هذه الدراسة اسم علم العمران. ونظر الناس ونظر ابن خلدون إلى نفسه على أنه خالق هذا العلم، لكن هذا القول فيه مبالغة، فقد كان المسلمون منذ القرن السابع قد اتجهوا في هذا السبيل، وكان النويري أول رجل في التاريخ الإسلامي آثر هذا الاتجاه». وفي مناقشة الرسالة التي تقدم بها الدكتور بدوي بطانة لنيل درجة الدكتوراه أخذ يتحدث عن الكشف العلمي الذي حققه في رسالته «قدامه ابن جعفر والنقد الأدبي» فذكر منها ابن جعفر، وهي مدونة في كتابه «ديوان الخراج».
وبعد، بماذا تعلل أيها القارئ الكريم هذا السلوك إزاء شخصية ابن خلدون؟!
وإنها شعوبية من نوع جديد يجب أن يتنبه دعاة القويمة العربية لمحاربتها.
محمد الناصري
(1) صفحة 139.