تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القصة التي تفككت بما أوردوه منها في مختلف الفصول. وأحيانا كان يجنح إلى نقد أسلوب ابن خلدون في رحلته، وبناقشه مناقشة عملية بعيدة عن فن القصة كما نرى في التالية «وبرغم جهوده للانطلاق من قيود التقاليد، فإنه يلجأ إلى استخدام السجع والتعميم. وهو الذي يؤمن بأن هذا النوع من الأساليب زخارف كاذبة كالوشي الرخيص فوق قماش رخيص في حين أنه يفهم أن المهم دائما هو نوع من الأساليب زخارف كاذبة كالوشي الرخيص فوق قماش رخيص في حين أنه يفهم أن المهم دائما هو نوع لنجيع ونوع الخيوط التي يصنع منها الطراز ... المهم دائما هو اللحم ... موضوع الكتابة ... موضوع الكتابة ... موضوع الحياة ... (1) ولم يتخلص الكتاب من حالاته النفسية السيئة أثناء تأليفه لهذه القصة، ولذلك انعكست هذه الحالات على أسلوبه فظهرت فيه بعض الكلمات النابية مثل التعبير غير ما يقوله «هذا الشقي» يعني ابن خلدون وغيرها من التعبيرات التي سنرد فيما بعد.

فيما يختص بالمضمون أو الفكرة فقد كان يهدف إلى رسم صورة لابن خلدون ليست بذات أضواء وليست بذات ظلال، ولكنها صورة باهتة أضيفت إليها كل الأحوال اللازمة لتبدر من خلالها شخصية ابن خلدون شخصية تافهة تنصاع في المجتمع المصري أو تطفو على سطح محيطه كما تطفو قشة التبن على سطح الماء. وهذه الفكرة تبدو بوضوح في عنوان القصة «رجل في القاهرة» والواقع أن حب المؤلف لوطنه قد طغى في القصة حتى غمر الشخصية التي كانت محورها، فابن خلدون رجل غريب برحل إلى مصر ويقيم فيها كما يقيم الرجل العادي من الناس لم يقم بأي دور له أثر في هذا المجتمع، ولعل الوقائع التالية تبرر هذا الاستنتاج:

القصة منتزعة من أحداث التاريخ تقيد معظمها بالتاريخ، ومن المعتقد أنه ليس ملزما بالتقيد بكل ما ورد في التاريخ، ولكنه مطالب بان يبرز القسمات الواضحة من معالم التاريخ، ويضيف إليها لمساته الفنية التي تعود بها إلى الإطار القصصي، غير أنه كان يشوه بعض الأحداث التاريخية التي من شأنها أن تترك أثرا لابن خلدون في السياسة المصرية، مثل موقفه من تيمورلنك، فهو في نظره موقف رجل متخاذل متملق وكفى، أما أنه أنقذ بدهائه علماء مصر وخلصهم من الأسر أو القتل بعد أن وقعوا في قبضة تيمورلنك، فلم يشر إليه من قريب أو بعيد، والأمير ناصر الدين لم يقرب ابن خلدون إليه ولم يخلع عليه الألقاب إلا لان ابن خلدون عادت إليه مراهقته وحن إلى الأيام المجد، فتملق الأمير ناصر الدين، أما أن ناصر الدين قد عجم عوده، ورأى موقفه الصلب في القضاء، وقوة شخصيته فيما كان يصدره من أحكام، الأمر الذي جعله يضمه إلى رفقته في الحملة التي كان متوجها فيها لمنازلة تيمورلنك، ليأخذ بمشورته في هذه المحنة ـ فذلك جانب آخر لم يلتفت إليه الكاتب وهو يصوغ القصة.

وقد كان بن خلدون قاضيا مثالا في العدل والنزاهة، تحدى الأمير ناصر الدين فأدانه وأصدر الحكم ضده، ولكنه في رأي الكاتب لم يتدافع إلى إقامة موازين العدل إلا لان نفخة من حماس تلاميذه هبت عليه وإلا بحافر من اليأس، فما دام قد فشل في خططه ومؤتمراته هناك في شمالي افريقية أيام شبابه وزهوه فليتشبث هاهنا في مصر بجانب العدالة وليتحد بأحكامه الأمراء وليكن ما يكون.

ولم يفته وهو يصف تلهف التلاميذ على هذا العلم الغريب الذي حمله إليهم ابن خلدون ـ لم يفته أن يذكر أن ابن خلدون كان أستاذا لجميع الناس وتلميذا لهؤلاء الطلاب الذين كانوا يلقنوه علما غريبا عليه.

كان من الممكن غض الطرف عن هذا الاتجاه الغريب، والتباس المبررات للكاتب، فقد يكون رائده حسن النية، وقد تكون الصياغة الفنية اضطرته ـ أمام سيل الأحداث التاريخية إلى تحريف بعضها، أو اختصارها أو التغاضي عن جوانب مهمة منها، ولكن الذي يقرأ الكلمة التي أوردها في ذيل القصة بخطة موضوعة، ففي الكلمة يشرح اتجاهه فيقول: «على هذا النحو سرت به القصة ذا تجارب وذا قلب تحاصره القاهرة وتغزوه، وترتقي الحوادث من حوله، فإذا ما اعتراه ضعف أو فنور فما ذلك إلا لان الزمان والمكان أكبر منه» ويقول أيضا: «ومن اللافت للنظر حقا أن يقتصر نشاط ابن خلدون في مصر على التدريس والقضاء ومراجعة مقدمته والتعريف بنفسه، وإلا يلعب

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٩٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٩٠٦