تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مجلة دعوة الحق س2، العدد الثامن

دعوة الحق، س2، ع8 /ماي 1959 .................... ص 1

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة العدد: الأسبوع الثقافي وأسبوع برجسون

لا يمكن لهذه المجلة أن تمر مغمضة العينين بظاهرتين ثقافيتين تعد كل منهما من الأهمية بمكان كبير، وقد تمت كل منهما في بحر الشهر المنصرم، وفي المغرب نفسه، في هذا البلد الذي يأخذ كل شيء من اهتمامه بقدر معين، ما عدا ما يتعلق بالثقافة، أو يتصل بها من قريب أو بعيد.

هاتان الظاهرتان الثقافيتان هما: الموسم الثقافي الذي نظمه قسم الشبيبة والرياضة التابع لوزارة التهذيب الوطني، وأسبوع (برجسون) الذي نظمته كلية الآداب والعلوم الإجتماعية التابعة للجامعة المغربية.

*

نعم لقد ظلت هذه المجلة وحدها منذ نشأتها تصرخ مبشرة بأن الدنيا شيئا آخر غير الخصومات السياسية، وغير الأعمال الإدارية، وغير تفاهات الحياة اليومية ورتابتها؛ شيئا آخر لا يقل أهمية عن كل ما نحتفل به ونختصم فيه، هذا الشيء إسمه الثقافة، اسمه الفكر الذي يهدي ويضيء ويرشد ويعلم ويسن القوانين، ويطرح الحلول للمشاكل في تمهل وأناة وصبر، وفي غير إرتجال، وفي بعد كل البعد عن الضوضاء والتهريج، وعن يحيى ويسقط، وعن هتف الأنصار وتهديد الخصوم.

لقد ظلت هذه المجلة وحدها تبشر بذلك منذ نحو سنتين، دون أن تبدو في الجو بارقة أمل تبشر بخير أو تدعو إلى التفاؤل. نقول هذا ونحن لا نتجاهل العمل الجليل الذي تقوم به الدولة في بناء المدارس وفتح الأقسام وتكثير عدد التلاميذ والطلبة، ولكننا لا نعني بالثقافة التي نبشر بها، الثقافة الرسمية ثقافة المناهج والبرامج والشهادات التي لا تفضي بصاحبها في الغالب إلا إلى الإرتخاء على كرسي مريح وثير في وزارة أو إدارة أو غير ذلك.

وإذا كانت هذه الثقافة التي نبشر بها وندعو إليها لا تقل شيئا في الأهمية، إن لم تفقها في أهميتها.

الثقافة التي ندعو إليها ونبشر بها هي ثقافة الفكر الحر النشيط، الطليق من القيود، الطموح الذي لا يعرف القناعة ولا يشعر بالارتواء؛ الفكر المتفاعل الذي يستوحي مادته من كل شيء؛ من الحياة ومن التأمل، ومن بطون الكتب، ومن الأحداث الصغيرة والكبيرة؛ الفكر الإيجابي الذي لا يقف بمعزل من حياة الناس، بل يتأثر بها ويؤثر فيها، يستوحيها ويوحي إليها، وهذا النوع من الثقافة لا توجد في المدرسة، وإنما توجد في الشارع والسوق والحقل والمعمل والمكتبة وقاعة المحاضرات، وفي الهواء الطلق حيث يجتمع الناس للأخذ والعطاء وتبادل الآراء والنكات والملاحظات، والكلام الفارغ أحيانا.

هذا النوع من الثقافة تمثل كل واحدة من الظاهرتين المتحدث عنهما جانبا منه، لذلك كان من واجبنا الأكيد أن نقف عندهما ولو قليلا، وأن نخصهما بكلمة قصيرة، في حين كان الواجب يقتضي أن نقف عند كل واحدة منهما كثيرا، وأن نطيل حولها الكلام، لكن اجتماعهما معا في شهر واحد، وضيق المجال المخصص لهذه الكلمة، كل ذلك لا يسمح بالوقوف الطويل أو الكلام الكثير.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٢٨٤