ومهما يكن من الأمر، فإن الوثائق التاريخية بنوعيها (المكتوبة أو غير المكتوبة كالآثار المادية) هذه الوثائق أصبحت بعد قيام «الثورة» تشكل المادة الأساسية الأولى في البحث التاريخي. وبهذا المعنى يمكن اعتبار التاريخ علما له طريقته الخاصة، وقد أسماها العلماء العرب «مصطلح التاريخ» تشبيها لها بمصطلح الحديث عند العلماء المسلمين، واعترافا لهم بابتكار هذه الطريقة في البحث عن الأحاديث الصحيحة من الأحاديث المكذوبة، ولكن هل يشترط في العلم أن تكون له طريقة متفق عليها وحسب؟ كلا إن العلم يهدف إلى إيجاد قوانين تخضع لهذه الحتمية؟
نحن لا ندعي ذلك الآن، ولكن من يدريك؟ لعل ذلك قريب، فالتاريخ ـ كعلم ـ مازال في بدء ثورته، وهو لم يقطع بعد تلك الأشواط البعيدة التي قطتعها العلوم الأخرى. ومع ذلك فقد استطاع بفضل تقدم العلوم المساعدة، كعلم النفس وكعلم الاجتماع، أن يكتشف بعض قوانين، إن لم تخضع لحساب الاحتمالات، أي أن هذه القوانين تتحقق في أغلب الحالات.
إن هذا التطور الذي حصل في مفهوم التاريخ دعا العلماء إلى تحديد طريقة العرض التاريخي ليصبح التاريخ أقرب منالا وأكثر فائدة. وهذه الطريقة الجديدة لا تولي الناحية السياسية المقام الأول كما كان الشأن في الماضي، بل تهتم بأشكال المجتمع وطبقاته وتطوره ومرافق حياته الإدارية والاقتصادية والفكرية والفنية. وهذا ما يسمى بالناحية الحضارية. نعم كانت هذه الناحية الحضارية غامضة في التواريخ الأولى، وكانت لا تعالج إلا عرضا. أما اليوم فقد انقلبت الآية وأصبحت هذه الناحية المحور الذي تدور عليه الأبحاث التاريخية، ولا نتعرض للناحية السياسية إلا بقدر ما يساعدنا ذلك على تسليط الأنوار على الناحية الحضارية.
إنني من ذلك لا أريد أن أغمط الكتب التاريخية القديمة حقها وقيمتها. كلا! فالمؤرخون اليوم يولونها قيمة وأية قيمة، لأنها مادة خام صالحة لاستخدامها في مصنع التاريخ الجديد. وما أحوجنا ـ نحن المغاربة بالخصوصـ إلى مثل هذا العمل الجليل، فخزائننا زاخرة بالكنوز العلمية الثمينة ولا تحتاج إلا لمن يقلب صفحاتها ويغوص في أعماقها ليطلع علينا في الأخير بالحضارة المغربية الخالدة. فعسى أن يهتم شبابنا بهذا النوع من الثقافة، وعسى أن تشجع حكومة صاحب الجلالة هذا الاتجاه الذي من شأنه أن يخلق فينا إيمانا بأنفسنا وإيمانا بذاتيتنا وبقوميتنا.
عبد الحق بنيس