تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا التطور؟ وهل يمكن أن نعد التاريخ علما أو أدبا؟ هذا ما سنعرفه في هذا الحديث.

ليس من شك أن الحكيم حينما كان يكتب التاريخ، كان يهدف إلى أغراض شخصية بالدرجة الأولى، ولأجل أن يحبب للناس هذا التاريخ كان ينسق الحوادث تنسيقا ويلفقها تلفيقا حتى إذا قرأها الإنسان أو سمعها بأذنه، استهوت فؤاده وأنارت في مكامن شعوره رغبة التقديس لما يقرأ، أو لما يسمع. كذا كانت أساطير كونفوشيوس الصيني، وأساطير (الفيدا) التي رتبها كهان هنود وصفوا أنفسهم بالحكماء. لا أريد من ذلك أن أخلص إلى نتيجة معينة، هي أن كل ما حوته كتب التواريخ القديمة كان باطلا، بل كانت معظم الحوادث واقعية، ولكن عرضها يكون بشكل أسطوري بعيد عن قواعد العقل والمنطق ومقولات العقل البشري.

غير أن هذا لم يمنع من ظهور مؤرخين كهرودوث وتوسيدس عند اليونان، وكابن خلدون عند العرب، فلقد صاحوا بملء فيهم أن استعملوا العقل في أبحاثكم التاريخية، واربطوا حوادث التاريخ ربطا يتفق والمنطق السليم، وحاولوا تعليل الحوادث واستكناه الأسباب والنتائج، بل وتجرأوا على استنباط القوانين التي يسير عليها هذا الكون ...

وإنه لمن الطريف أن نستمع إلى ابن خلدون ينتقد حادثة تتعلق بتاريخ بني إسرائيل، يقول ابن خلدون في مقدمته ما معناه: لقد قال المسعودي إن جيوش بني إسرائيل بعد أن أحصاها موسى عليه السلام في صحراء التيه، وأجاز من يطيق حمل السلاح خاصة من ابن عشرين فما فوقها، هذه الجيوش كانت ستمائة ألف أو يزيدون، وإنني استغرب كيف أن المسعودي تناقلها عن الذين سبقوه دون أن يمحصها ويفرضها على معيار العقل، فكيف يعقل أن يتكاثر نسل بني إسرائيل في الفترة الواقعة بين إسرائيل وبين موسى؟، وقد روى المسعودي نفسه أن إسرائيل دخل مصر مع ولده الأسباط وأولادهم حين أتوا إلى يوسف سبعين نفسا، وكان مقامهم بمصر إلى أن خرجوا مع موسى عليه السلام إلى التيه، مائتين وعشرين سنة، تتداولهم ملوك القبط من الفراعنة ... ويبعد أن يتشعب النسل في أربعة أجيال إلى مثل هذا العدد، وكذلك يبعد أن يتشعب النسل إلى هذا الحد إن كان إحصاء الجيوش قد وقع في زمان سليمان ... إلخ

ولكن صيحات هؤلاء، مع الأسف، ذهبت سدى، ولم تجد لها صدى، وكأنها كانت سابقة لأوانها، فلم تؤت أكلها وثمارها المرجوة. وهكذا بقي التاريخ جامدا حتى بعد أن ظهرت فكرة التخصص، وبالتالي ظل يعيش في كنف الفلسفة وما اتصل بها من آداب، وبقي في إمكان الفيلسوف أو الأديب أن يؤرخ، إذ يكفي أن يكون أسلوبه شيقا وتعبيره طريفا وقريبا إلى الذوق الأدبي العام، ويكفي أن يكون فيه نوع من التعمق الفلسفي، تابع لوجهة نظر الفيلسوف. وقد تكون هذه النظرة خاصة به، ولكنها على كل حال موجودة في كتاباته الفلسفية كما هي موجودة في كتاباته التاريخية أو الأدبية

ومع ذلك، فقد شهد القرن الماضي ثورة في مفهوم التاريخ، وذلك حين قامت الحفريات تسبر الأغوار، وتميط اللثام عن آثار الأقدمين، فتفحصها، وتعرف إلى أي زمان تعود، وإلى أية حضارة تنتسب. وإنها لعمري، ثورة عنيفة على التواريخ التقليدية، فلقد أتت هذه العمليات بنتائج عملية محمودة في الأبحاث التاريخية فأثبتت أحيانا ما ورد في كتب التاريخ القديمة، وكذبت ما زعموا أنه وقع أحيانا أخرى، وفسرت حوادث كانت غامضة المحتد، مجهولة الأسباب والنتائج.

نعم! ظهر فريق من الباحثين أرادوا أن يصبغوا الصبغة العلمية على الأبحاث التاريخية والاجتماعية، وكانت أعمالهم في البدء فردية، إلا أنها ما لبثت أن اكتست حلة جماعية بفضل التئام الأكاديميات (المجالس العلمية) التي ضمت علماء من أنحاء المعمور، وكان هؤلاء العلماء يتبادلون وجهات النظر فيما بينهم، فإذا بها متقاربة ومتفقة في الجوهر، ولا غرابة، فالنظريات صادرة عن عقول مصقولة بصقال واحد، «صقال الموضوعية في البحث العلمي» لقد اتفقوا كلهم على ضرورة إيجاد طريقة خاصة ببحث التاريخ من «العاطفة» التي تمتاز بها الآداب وإعطائه صبغة «العقل» صبغة العلم الحديث. وهذا ليس بالأمر الهين، لأن العلوم الأخرى، كالفيزياء مثلا، تعتمد على التجربة المادية في طريقتها، وهذه التجربة يمكن تكرارها عشرات المرات، فعندئذ تستنبط العلاقة أو القانون.

في الإمكان إحداث حادثة فيزيائية (إسقاط جسم من أعلى لدراسة سرعته وزمان سقوطه ... إلخ) ولكن ليس في الإمكان إحداث حادثة تاريخية، فالمؤرخ ينتظر وقوع الحادثة التي تعنيه، لكي يدرسها، وأحيانا يدرس حوادث حدثت في الماضي، وهنا تكون المهمة أشق من مهمة القاضي، لأن هذا الأخيرـ كما يقولون ـ يحكم على الأحياء بينما المؤرخ يحكم على الأموات ..

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٨٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٨٦٧