تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.2، ع3 /دجنبر 1958 ................... ص 36

الطريق الضيقة

للسيد: محمد المختار بن اباه

إن بناء استقلال أمة لا يتم ـ فقط ـ بتشييد القصور وتعبيد الطرق وإصلاح الجهاز الإداري والقضائي. فكل هذه المظاهر المادية ضرورية، لكنها لا تغني شيئا إن لم تكن حياة المجتمع مدعمة بعادات وتقاليد مستمدة من سلطة الدين والأخلاق.

وإن هذه العادات والتقاليد الدينية والخلقية، لا تثبت في الروح ولا تطمئن إليها النفس إلا إذا كانت منسجمة مع العقل الإنساني من جهة، ومع الحاجيات الضرورية للمجتمع من جهة أخرى.

فيجب ألا نركن بتقاليدنا «للجمود» الذي يخل بحرية الفكر، ويضع من رتبة العقل، وأن لا نميل إلى «الجحود» الذي ينكر مغزى الروح وفائدة الوجود الإنساني.

وإن على الأمة المغربية أن تكون ممنونة بالدور السامي الذي اختطته لنفسها في هذا الميدان مجلة «دعوة الحق»، فإنها قد قررت أن تسلك هذه الطريق الضيقة، لنشارك في بناء حضارة فكرية إسلامية ترتكز على أسس صحيحة تتفق مع ماضي المغرب المزدهر ومستقبله الحافل بالآمال.

وقد اطلعت في هذه المجلة بارتياح على تلك القصة الرائعة التي أصدرها الزعيم علال الفاسي في هذا الموضوع.

إن الطريق بين «الجمود والجحود» تستحق اعتناء كتاب الأمة المغربية ومفكريها. وذلك لأن «الجمود» الذي اكتسحت موجته الشعوب الإسلامية منذ عدة قرون، كان سببا في تسرب الاستعمار إلى هذه الشعوب. وإن «الجحود» الملاحظ اليوم لم يكن إلا من مخلفات الاستعمار.

إن الاستعمار وإن كان قد ارتفعت رسميا سيطرته السياسية من المغرب، فإنه قد تمكن في ظرف خمسين سنة من وضع سيطرة روحية فكرية ليست أقل خطرا من سيطرته السياسية.

إن مخلفاته الفكرية وإن كانت يصعب إحصاؤها بالضبط، يمكن أن نلخصها في هاتين النقطتين:

أولا ـ محو اللغة العربية وإحلال اللغة الفرنسية محلها.

ثانيا ـ تشويه دين الإسلام، وإيهام ضعفة العقول من المسلمين أن مبادئ هذا الدين تتنافى مع العلم والترقي.

وقد كان لهذين العملين أثر عظيم في فساد التفكير فإن اللغة لم تكن وسيلة للتعبير عما في الفكر فحسب، بل إن لها مجالا هاما في تكوين التفكير نفسه، لأن الكلمة ومعناها لا يمكن تفرقتهما كما لا يمكن أن يفرق بين صفحتي ورقة واحدة. فاللغة إن قصد منها التعبير عن المعاني تأبى حينئذ أن تكون لغة مستقلة «موضوعية» وإنما هي لغة أمة محدودة لأن المعاني تختلف باختلاف البيئات والأمم. فليس يمكن أن نتحقق مثلا أن كلمة «الفن» في اللغة العربية ولفظة « Art» باللغة الفرنسية، تدلان على معنى واحد محدود، وكذلك أيضا «الدين» و « Religion» كما بينه الأستاذ علال الفاسي.

فيظهر من هذا أن اللغة تفكير مستقل له معاييره وقيمه الخاصة به.

فكان من المؤسف أن اللغة الإفرنجية قد فرضت على الأجيال الناشئة في المغرب، مع ما يتبعها من تفكير وقيم ومعايير، حتى أن أكثر المتكلمين بالعربية إنما يترجمون تفكيرهم الإفرنجي، ويزنونه ـ كلما قدر لهم الحكم عليه ـ بالموازين التي استمدوها من هذا التفكير. ولهذا التفكير خطر فيما يمس العوائد والأخلاق. أما ما

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٨٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٨٦٩