دعوة الحق، س.2، ع3 /دجنبر 1958 ................... ص 28
الوحدة العربية حقيقة جغرافية
للأستاذ: محمد الغربي
لقد تميز القرن التاسع عشر بانبعاث قومي في أوربا كرد فعل لانتشار الأفكار التي بشرت بها الثورة الفرنسية، وكان استيلاء نابليون على أوربا وتوحيد لإماراتها وممالكها المختلفة، وإشاعته معاني الحرية والمساواة، اللينة الأولى في انبعاث القوميات الإيطالية والألمانية والبولونية والبلقانية.
وقبض لتلك الأمم قادة ومفكرون وسياسيون أمثال كافورد مازيني وغاربيالدي وسمبارك، خرجوا بتلك الأفكار من حيز الدعوة إلى التنفيذ والنجاح.
وحمل القرن العشرين مفاهيم معدلة للفكرة القومية بعد استتباب أمر الاشتراكية في روسيا، وظهور مبدأ التعايش واشتباك المصالح بين الأمم، وقد برز الاستعمار إلى جانب كل ذلك ـ يحاول إعادة بناء إمبراطورياته على أنقاض القوميات المتخلفة التي ابتليت به، فشهد العالم قوميات تتداعى في جنوب إفريقيا وفي الكونغو، وأخرى تتفكك في الشرقيين الأدنى والأوسط، كما شهد أنواعا من المبادلات الجنسية الواسعة كما حدث مثلا بين تركيا ودول البلقان.
ولقد استيقظت القومية العربية ـ بعد مرور قرون من الاستبعاد والكبت ـ في مطلع هذا القرن، فتخلصت من العثمانيين الذين حاولوا تتربكها وصهرها، وناضلت القوى الاستعمارية، وخرجت بفكرة الوحدة العربية والعدالة الاجتماعية.
وإذا كان تحديد مفهوم القومية لا تزال إلى اليوم يشوبه بعض الغموض، لأن العامل العاطفي يقي مسيطرا وماثلا، ولأن الأمم التي مارست النضال القومي كانت تضيق من ذلك المفهوم، أو تنحرف به كما هو الحال عند أصحاب نظرية العرق والوراثة، فإن عوامل الوحدة العربية ومظاهرها كثيرة وغنية، فهناك ارتباط كلي من الوجهة الفكرية (الدين واللغة والتاريخ) وهناك نناظر في المظاهر الجغرافية وأسلوب الحياة وهناك أخيرا تماثل لا يتطرق إليه الشك في المجال الاجتماعي وفي الآمال والآلام أي وحدة المصير.
وقد أحببت أن أتناول جانبا من هذه المظاهر التي توحد بين البلاد العربية وهي المظاهر الجغرافية على اعتبار أن الأرض العربية وما يتصل بها من فعليات مختلفة هي مجال القومية ومسرحها وهي العاكس لحياة الشعب العربي والمحدد لظروف حياته والمفسر لتاريخه الواحد.
العرب في التاريخ:
لقد تميز العنصر العربي بالحيوية والنشاط على مر التاريخ، فنقل العرب حضارتهم إلى شعوب أخرى وساكنوها وطبعوها بطباعهم وتدل الوثائق والآثار المادية الأخرى التي خلفها المصريون والفنيقيون والقرطاجيون والسومريون على أن العرب هم الذين أسسوا أول دولة بمعناها السياسي المنظم في التاريخ: وأهتم البابليون بالعلم والفنيقيون بالتجارة والملاحة والمصريون بالبناء ولا زالت شواهد الحضارة العربية في اليمن ـ التي هي ينبوع الشعب العربي ومصدره ـ في طور الدراسة والاستقصاء.