الأعلى» بأنه مزيج من محكمة النقض والإبرام ومحكمة القضاء الإداري، فلم نكن نعني فقط تنظيم المجلس واندماج القضاء ين فيه، أي الجانب الشكلي فقط، وإنما كنا أيضا الجانب الموضوعي الذي يتجلى في طبيعة كل القضاء العادي والقضاء الإداري، وكذلك الاعتبارات العملية التي تبرر الفصل بينهما.
1) وبالنسبة للملاحظة الأخيرة التي ختم بها الأستاذ موسى عبود تعليقه تحت رقم (10) معترضا على الاقتراح الذي تقدمنا به في بحثنا السابق، يسرنا أن نذكره بأننا حين اقترحنا ـ كعلاج مؤقت ـ إنشاء مجموعة من اللجان ذات الاختصاص القضائي، لم تكن متأثرين ـ كما زعم ـ بالنظام الذي أخذ به المشرع المصري فترة من الزمن ثم عدله لاعتبارات عملية، وإنما أردنا باقتراحنا إنشاء حلقة وسطى بين المظلم من القرار الإداري وبين «المجلس الأعلى» وقد قلنا أن تلك اللجان ستكون مؤقتة إلى حين يتم إنشاء المحاكم الإدارية ذات الاختصاص القضائي بمعنى الكلمة، إذ مما لا شك أن القضاء الإداري في المغرب لا يمكن أن يقوم على عائق المجلس الأعلى وحده الذي يجمع بين يديه كل الرقابة على القضاء في الدولة.
وهناك اعتبارات عملية أخرى تدعونا إلى التمسك بهذه الحلقة الوسطى منها:
أ ـ إن رفع الطعن إلى المجلس الأعلى يكلف المتظلم مشانق وتكاليف لا يقوى عليها إلا عدد قليل من الناس فليس خفيا أن رفع الطعن إلى المجلس يستلزم وساطة محام مقبول للترافع أمامه، وهذه مسألة على جانب كبير من الأهمية لأنها تلقي عبئا ثقيلا على كاهل المتقاضي المغربي، حتى لو فرضنا جدلا أن الطاعن استطاع الحصول على المساعدة القضائية، فلن يكون ذلك إلا بعد جهد، الأمر الذي يجعل الوصول إلى المجلس الأعلى أمنية أكثر منه واقعا.
ب ـ إن شعور الإدارة برقابة القضاء لأعمالها لا يمكن أن يكون قويا ما دامت هذه الرقابة في يد هيئة واحدة مقرها بالعاصمة، فالإدارة واقعية في شعورها وتصرفاتها، وهي تتأثر بالرقابة المباشرة المحسوسة أكثر مما تتأثر بالرقابة البعيدة البطيئة.
ج ـ إن الظلم الإداري الذي أخذ به المشرع المغربي لا يمكن أن يقوم الحلقة الوسطى التي نقترحها ـ خلافا لما يذكر الأستاذ موسى عبود ـ ذلك أن هذا التظلم بما يشعر به أمام الحكم القضائي من طمأنينة وارتياح، وهذه مسألة طبيعية لذلك فإن المتظلم سيبحث كلما رفض تظلمه عن وسيلة أخرى لإعادة عرض شكواه، وإذا لم يسعفه وسائله الخاصة للوصول إلى المجلس الأعلى، انطوي على نفسه معتقدا ـ ولو خطأ ـ إنه مظلوم.
ولقد مضى على المغرب فترة من الزمن تحت الحماية، جرب فيها الأفراد وسيلة التظلم الرياسي من القرارات الإدارية ـ حيث كان هو الوسيلة الوحيدة ـ ورسخ في ذهنهم إلا فائدة من ذلك التظلم لأنه لا يحقق غالبا أية نتيجة عملية، ما دام التظلم من الإدارة وإليها، لذلك كان طبيعيا أن يبحث الأفراد اليوم عن وسيلة أخرى للتظلم تحت رقابة القضاء.
وهذه الاعتبارات السابقة تدفعنا إلى الاعتقاد بأن رقابة المجلس الأعلى على أعمال الإدارة لا يمكن أن تؤتي ثمارها إلا إذا كان هناك حلقة وسطى بين المجلس وبين المتظلم من القرار الإداري، تلك الحلقة التي ينبغي أن تكون درجة أولى للنزاع وفي متناول كل الأفراد، وليس طبيعيا أن يكون المجلس الأعلى ـ وهو أعلى هيئة قضائية في الدولة ـ هو الدرجة الأولى والأخيرة في حل المنازعات الإدارية، كما أن ليس طبيعيا أن يرتفع الطعن في القرار الإداري دفعة واحدة إلى هذا المجلس كما لو كان محكمة درجة أولى عادية.
ولن نغالط أنفسنا بالقول بأن التظلم الإداري يمكن أن يقوم محكمة مختصة يتوسم فيها الأفراد العدالة، بل ولا حتى مقام لجنة للطعون الإدارية تتوافر فيها بعض مظاهر الحيدة والإنصاف، فليس هذا الأمر مما يحتاج إلى جدال أو نقاش، لأن طبيعة الأشياء نفسها تفرضها، وإذا كنا قد وصفنا نظام القضاء الإداري في المغرب بأنه معيب وغير فعال، فقد رأينا فيه بناء غير قائم على أساس سليم لابد من إعادة النظر فيه وتدعيمه حتى يقوم بالمهمة التي أناطها به المشرع أحسن وجه ممكن.
محمد التوزاني