ولم يمنع الاكتساح الروماني ـ الهليني البلاد العربية من مسايرة ركب الحضارة والعلم فظهر القواد المغاربة الأشداء وبرزت جامعة الإسكندرية ومدارس شمال سوريا.
وتبوأ العرب المسلمون الصدارة في المجال الحضاري العالمي عند ما تمكنوا من بسط نفوذهم على أكبر إمبراطورية عرفت في التاريخ وحمل رسالة التوحيد ـ العربية ـ إليها. وتبلور العقل العربي الخلاق في عهد العباسيين في المشرق والأمويين في الأندلس، والمرينيين والسعديين والعلويين في المغرب، وعرف كيف يتمثل جميع الثقافات التي قدمتها أمم أخرى، وقدم للبشرية تراثا فكريا غنيا.
ودخل العرب ـ بعد ذلك في طور الانعزال والتخلف عندما هجمت جحافل التتر والمغول على المشرق وأساطيل البرتغال والأسبان على السواحل المغربية، وعانت هذه البلاد مجتمعة من ضربات الصليبيين. وكان المغرب هو الجبهة الأمامية، والصخرة التي تحطمت عليها أساطيلهم وقصفت جيوشهم، وفيض للعرب آنذاك البطلان صلاح الدين الأيوبي والمنصور الموحدي.
حاول العثمانيون أن يخلفوا العباسيين في المشرق في قيادة العالم الإسلامي ولكنهم كانوا عاملا سلبيا فشلوا الحياة الاقتصادية والاجتماعية والإدارية، وكان من نتيجة ذلك أن عم الجهل والمرض والجوع وتخلف العرب عن الركب الحضاري فاستلمت قيادته الدول الأوربية، بينما ظل المغرب وحده طيلة هذه المدة يدفع الغرب ويرده عن حدوده.
وقد رافق نهضة أوربا من الوجهة الاجتماعية والاقتصادية انحطاط كلي في الإمبراطورية العثمانية وأصيبت «بالمرض» فاتجهت انجلترا وفرنسا لاقتسام تركتها، فسقطت عدن والجزائر ومصر وتونس ثم الجنوب العربي وليبيا والمغرب والهلال الخصيب.
إلا أن العرب كانوا قد تحسسوا مشاكلهم، وبدؤوا يشعرون بضرورة الوحدة والحرية منذ الإصلاح العثماني، وبدأت بوادر النهضة مع حملة نابليون لمصر وسورية، فنقضت اللغة العربية عنها غبار الإهمال وبرزت إصلاحات محمد الذي بتوحيده مصر وسوريا وضع الحجر الأول عمت الشرق موجة قومية عارمة فافتتحت المدارس وظهرت الكتب والجرائد وتأسست الجمعيات السياسية والأدبية، وعقدت الندوات في الداخل والخارج، وظهرت الدعوة لاستقلال العرب وتوحيدهم ن وتبلور ذلك في ثورة الهاشميين سنة 1916، غير أن الأوربيين ـ بعيد الحرب ـ اقتسموا الأجزاء المحررة من الوطن العربي، ثم لم يلبثوا أن تراجعوا أمام الضغط الشعبي، فاستقلت بعض البلاد العرب وبقي بعضها الأخر يناضل من أجل الاستقلال.
وهكذا نجد أن تاريخ العرب الحديث تميز بنضالهم من أجل الحرية والوحدة، وليس هذا الاتجاه بالذي تمليه العاطفة، ويدعو إليه القلب بل أنه موضوعي يقوم على الوقائع، فإذا كانت دول كبرى تتمتع بوحدة سياسية وتضم شعوبا وأمما شتى كالإتحاد السوفياتي والصين والهند فإن الأمة العربية تضم أمة واحدة تتكلم لغة واحدة وتنحدر من أصل واحد وينظمها تاريخ متجاوب متكامل، والعرب إذا سعوا إلى الوحدة، إنما يلبون نداء الأجيال والمجاد ويسعون إلى القوة والمنفعة
وحدة الموقع:
تحتل البلاد العربية قلب العالم القديم، وتمتلك موقعا لا يدانيه في الأهمية أي موقع آخر، والبلاد العربية هي بلاد مرور في القديم والحديث، فبينما عبرت الحضارة التي نشأت في حوض المتوسط بلاد الشام نحو الفرات واتجهت القوافل من الغرب نحو الهند والصين تلك القوافل التي كانت تجد في طريقها محطات للاستراحة والتجارة كبصري الشام وتدمر وحلب ودمشق، كانت السفن تجتاز مضيق جبل طارق وتؤسس محطات تجارية أخرى على ساحل المغرب الشمالي.
وفي العصور الحديثة، بعد أن شقت قناة السويس، عاد للعالم العربي ما كان له من الأهمية في المواصلات العالمية فهذا العالم يتوسط جهازين اقتصاديين متكاملين: جهاز اقتصادي غربي يقوم على الآلة والتصنيع، وجهازا اقتصادي شرقي يقوم إنتاج المواد الصناعية الزراعية والمعدنية. والدورة التكاملية لهذين الجهازين تجري عن طريق جبل طارق وقناة السويس وعدن وعمان. وإن التسابق المحموم الذي درجت عليه دول الغرب من أجل السيطرة على البلاد العربية إنما كان هدفها من ورائه أن تحصل على مواطئ أقدام وجسور نحو بلاد أخرى، فقد فخرت انجلترا مدة طويلة بأن التاريخ البريطاني يحتوي على ذرة ثمينة هي الهند وحولها أحجار كريمة متألقة هي السويس وجبل طارق وعدن.