تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونحن نرى مع ذلك أنه الطريق التي عالج بها المشرع صياغة نصوص ذلك الظهير لا تمنع من هذا الاستنتاج، ذلك أنه يحاول، بقدر الإمكان، الجمع بين الأحكام المشتركة لمختلف فروع اختصاص المجلس الأعلى في نصوص عامة، ولم يتناول بالتخصيص إلا الأحكام الخاصة بكل نوع منها ن الأمر الذي يدعو إلى الاعتقاد بأنه لم يتناول بالتخصيص أسباب إلغاء القرارات الإدارية، اعتمادا على أنها مفهومة من الفصل الثالث عشر الذي فصل فيه أسباب نقض الأحكام، ما دامت هذه لا تضيق بها، فالأسباب التي ذكرها النص ـ عدا ما تعلق منها بالقواعد الجوهرية للمرافعات ـ يمكن أن تتخذ أساسا لعيوب القرار الإداري، ما دام المشرع لم يتناول هذه العيوب بالنص الواجب لها.

ولو فرضنا جدلا أن هذا الاستنتاج لا يتسع له افصل الثالث عشر، فمن أين يأتي القاضي بأسباب إلغاء القرار الإداري، أي بالعيوب التي تلحقه وتتسبب في بطلانه؟ إن أي نص في ظهير 27 سبتمبر 1957 لم يتناولها بالتفصيل. وهل يكون المشرع قد أغفلها مع أنها هي حجر الزاوية في القضاء الإداري كله؟ إنه إذا جاز لمشروعية القرار الإداري غير ممكنة قانونا.

أما إذا افترضنا أن المشرع المغربي قد سكت عن ذكر أسباب إلغاء القرار الإداري اعتمادا على أن الفقه استعمال السلطة والعيوب التي يستند إليها ـ كما يعتمد الأستاذ موسى عبود ـ فإن المشرع المغربي يكون بذلك قد تخلى عن مهمته الأساسية في هذا الصدد، وأحال القاضي المغربي على الفقه والقضاء الأجنبيين، وهو ما لا يمكن أن نتصوره، لذلك استبعدنا أن يكون المشرع المغربي قد أوجب على القاضي المغربي أن يتتبع أسباب إلغاء القرارات الإدارية في أحكام الفقه والقضاء الأجنبيين، وإن تغير في اتجاهه نحوها كلما تغير اتجاه ذلك الفقه أو ذلك القضاء، وهذا ما دعانا إلى استنتاج أسباب إلغاء القرار الإداري من نص الفصل الثالث عشر، لأنه عندنا أهون من افتراض أن المشرع أحال القاضي بشأنها على الفقه والقضاء المقارنين.

1) وبالإضافة إلى ما تقدم أثار الأستاذ موسى عبود في تعليقه نقطة أخرى تحت رقم (9) تتعلق بالملاحظ التي سبق أن أبدينها في بحثنا السابق على الفقرة الثانية من الفصل السابع عشر من ظهير 27 سبتمبر 1957، حيث قلنا أنها تزيد مسلك المشرع غرابة، ونحن وغن كنا ننظر بعين الاعتبار إلى ما ذكره المعلق خاصا بالأسباب الواقعية التي دعت إلى أدراج الفقرة الثانية من النص السابق ن إلا أننا مع ذلك نرى لزوما أن نذكره بفكرة أخرى بالغة الأهمية تستند إلى اعتبارات عملية وفنية لا يمكن تجاهلها ش، ذلك أن استقلال القضاء الإداري عن القضاء الإداري عن القضاء العادي تحتمه طبيعة كل منهما لعدة أسباب منها:

أ ـ إن القضاء العادي أحكامه على هدى القواعد القانونية المكتوبة غالبا أو المستنبطة من العرف المحلي الثابت، وتكون مهمته إنزال حكم تلك القواعد القانونية على الوقائع التي تعرض عليه، أما القضاء الإداري فلا تقف مهمته عند هذا الحد، بل تتعداه إلى ابتداع القواعد والمبادئ القانونية، الأمر الذي لا يفعله القضاء العادي.

ب ـ في تفسير القواعد القانونية قد يختلف القضاء الإداري كثيرا عن القضاء العادي لأسباب واقعية لا قانونية ترجع إلى اختلاف مراكز القانون العام من مراكز القانون الخاص، فالقاضي الإداري ينظر إلى الأشياء بمنظار القانون الخاص، ومن طبيعة القضاء الإداري التحرر والمرنة المتحررة، إلا من وحي تلك الروح المتحررة التي يتمتع بها القاضي الإداري، لذلك كان من الصعوبة بمكان الجمع بين روح القضاء العادي وروح القضاء المدني في شخص واحد أو هيئة واحدة.

ج ـ وهناك سبب علمي آخر يرجع إلى التخصص الفني لدى القاضي، فالقاضي الإداري في البلاد التي تأخذ بنظام القضاء الإداري يكتسب مع المدة خبرة فنية خاصة بالنظم الإدارية ن ويستطيع تفهم العقلية الإدارية، ومصلحة الإدارية ـ بحكم اتصاله المباشر بها ـ أكثر مما يستطيع القاضي العادي الذي يتفرغ لمنازعات الأفراد في ميدان القانون الخاص، وهذه الخبرة التي يكسبها القاضي الإدارية عامل نفسي هام في خضوع الإدارة لأحكامه وتوجهاته.

وهذه الاعتبارات العلمية هي التي تفرض استقلال القضاء الإداري عن القضاء العادي، وتجعل الجمع بينهما في مجلس واحد أو شخص واحد أمرا صعبا، وإذا كنا قد وصفنا قفي بحثنا السابق «المجلس

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٨٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٨٥٩