ونحن نعتقد أن قياس الأستاذ موسى عبود اختصاص المجلس الأعلى في المغرب بالمنازعات الإدارية على مجلس الدولة الفرنسي قبل سنة 1953، وعلى محكمة القضاء الإداري المصرية قبل سنة 1955 هو قياس مع فارق شديد، ذلك أن مجلس الدولة الفرنسي لم ينشأ كهيئة قضائية منذ البداية، ولم ينط به الفصل ابتداء في منازعات الأفراد مع الإدارة، كما هو الشأن بالنسبة للمجلس الأعلى في المغرب، بل على العكس من ذلك فإن مجلس الدولة الفرنسي لم يكتسب هذه الصفة إلا في سنة 1872 حين تدخل المشرع فأعطاه إياها بقانون، وإذا كان هذا المجلس قد بقي فترة من الزمن هو صاحب الاختصاص العام بكل المنازعات الإدارية، فإنما كان ذلك جزءا من نضاله في سبيل فرض الرقابة على أعمال الإدارة ليسد أمامها الطريق في البحث عن مخرج تفلت منه رقابته.
كذلك فإن مجلس الدولة الفرنسي وإن ظل منذ سنة 1889 حتى سنة 1953 هو صاحب الاختصاص الوحيد، وهذه نقطة هامة، فالمجلس السابق لم ينفرد بالاختصاص في المنازعات الإدارية ـ كما هو شأن المجلس الأعلى في المغرب ـ في المسائل الإدارية عهد إليها المشرع ببعض المنازعات على سبيل التحديد، فكان مجلس الدولة الفرنسي هو صاحب الاختصاص العام في كل ما لم يعهد به المشرع إلى غيره، أما المجلس الأعلى في المغرب فقد أنشئ فريدا وما يزال فريدا.
وبالإضافة إلى ما تقدم فإن مجلس الدولة الفرنسي لم يضف إلى اختصاصاته بالمنازعات الإدارية، اختصاصا آخر بالمسائل المدنية أو التجارية أو الجنائية ـ كما هو شأن المجلس الأعلى ـ إنما ظل وما يزال إلى الآن محكمة إدارية فقط، لذلك كان القياس (على مجلس الدولة الفرنسي) قياسا مع فارق شديد.
كذلك، فإن محكمة القضاء الإداري في مصر لا تصلح أن يقاس عليها المجلس الأعلى، «لأن المحكمة كانت مختصة بالمنازعات الإدارية فقط، ولم يمتد اختصاصها قط إلى غير ذلك، وهي وإن بقيت مدة من الزمن صاحب الاختصاص العام في المسائل الإدارية ابتداء وانتهاء، فقد اضطرت تحت ضغط الظروف العملية وتراكم القضايا إلى الرضوخ للأمر الواقع، فندخل المشرع المصري وأزاح عن كاهلها العبء الثقيل الذي كانت تتحمله عن طريق إنشاء محاكم إدارية، ومحكمة إدارية عليا.
ونحن إذا قد أخدنا على المشرع المغربي أنه وضع عبئا ثقيلا على المجلس الأعلى، فما ذلك إلا لأننا راعينا الاعتبارات العملية التي لابد وأن تفرض نفسها عاجلا أم آجلا، ولا يقدم في هذا الرأي أن القضايا لم تتراكم بعد على المجلس، فالمسألة ليست مسألة واقع فقط، بل هي مسألة تصميم وتنظيم أيضا للمستقبل القريب والبعيد معا، وما يمكن تداركه منذ البداية لا ينبغي تركه للظروف تفرضه كيفما أتفق، فليس من الحكمة أن ينظر المشرع إلى الواقع في اللحظة التي يتناول فيها الموضوع بالتنظيم فقط، لأن الأنظمة توضع من أجل البقاء والاستمرار، لا من أجل مواجهة وضع قد يتبدل بعد حين.
ومع ذلك فنحن لم نقل بأن الطريقة التي عالج بها المشرع القضاء الإداري في المغرب غير قابلة للإصلاح بل بالعكس قد أشرنا إلى أن هذا الوضع يمكن علاجه عن طريق إنشاء مجموعة من اللجان ذات الاختصاص القضائي، تكون مقدمة لإنشاء محاكم إدارية، كما أنه ليس هناك ما يمنع المشرع من إنشاء غرف إدارية في المستقبل داخل المحاكم العادية يكون لها اختصاص المحاكم الإدارية. ولكن الذي لا تسلم به هو أن يبقى المجلس الأعلى وحده هو صاحب الاختصاص الوحيد بالمنازعات الإدارية ابتداء وانتهاء، لأن لهذا المجلس أعباء أخرى كثيرة إلى جانب عبء مراقبة مشروعية أعمال الإدارة، وليس من قبيل التكهن القول بأن رقابة المجلس لأعمال الإدارية ستكون غير فعالة، وما دمنا نعلم أن نشاط الإدارة متشعب متسع، يتناول معظم ميادين الحياة في الدولة، وإن قرارات الإدارة على جانب كبير من التعقيد والتفاوت، كما أنه ليس معا يعاب على الباحث الذي يدرس نظاما ما يراد له البقاء أن ينظر إلى المستقبل يعين التصبر والحذر.
1) كذلك أثار الأستاذ موسى عبود في تعليقه (7) ملاحظة تتعلق بأسباب نقض الأحكام وإلغاء القرارات الإدارية معترضا على الاستنتاج الذي استنتجنه من الفصل الثالث عشر من ظهير 27 سبتمبر سنة 1957.