دعوة الحق، س.2، ع3 /دجنبر 1958 ................... ص 24
عودة إلى موضوع القضاء الإداري في المغرب
للأستاذ: محمد التوزاني
لقد نثرنا في مجلة «دعوة الحق» الغراء ـ العدد الأول من السنة الثانية ـ تحت عنوان «القضاء الإداري الفرنسي، وللنظام الانجلوسكوني وأبدينا بعض الملاحظات على نظام القضاء الإداري في المغرب، مشفوعة ببعض الاقتراحات التي رأيناها مناسبة، وقد علق الأستاذ موسى عبود على هذا البحث وأبدى بدوره بعض الملاحظات على التقاط التي أثرناها. ونحن لا يسعنا إلا أن نرحب بتعليق الأستاذ موسى عبود وبملاحظاته، وقد رأينا لذلك أن نعود إلى الموضوع من جديد لإيضاح بعض المسائل التي تناولها التعليق.
ذكرنا في بحثنا السابق «أننا كنا نود أن نكتب في موضوع القضاء الإداري كتابة موضوعية تتناول بالدراسة جانبا من جوانبه أو تستقضي خاصية من خواصه، ولكن ظروف هذا القضاء في المغرب لا تتيح فرصة البحث في مسألة محددة بالذات بحثا فقيها تحليليا».
وتسأل الأستاذ موسى عبود عن ماهية هذه الظروف التي تمنعها من البحث في مسألة محدودة بالذات بحثا فقيها تحليليا، والواقع أن القضاء الإداري في المغرب حديث العهد، لم يمض على إنشائه أكثر من سنة واحدة، وهي فترة غير كافية للحكم على اتجاهاته الموضوعية، فالقضاء الإداري لا يعتمد فقط على قواعد مكتوبة يفسرها وينزل أحكامها على الوقائع التي تعرض عليه، كما يفعل القضاء العادي، وإنما هو إلى جانب ذلك، يبتدع الحلول ويقرر المبادئ القانونية التي ينبغي للإدارة أن تسير عليها والتي يرى أنها تحقق مصلحتها ومصلحة الأفراد غي آن واحد، لذلك كانت المهمة التي يضطلع بها القضاء الإداري شاقة وعسيرة، فهو يسير في طريق غير معبد في كثير من الأحيان، ويتخذ من نفسه هاديا للإدارة عن طريق الأحكام والمبادئ والتوجيهات التي يرسمها، من أجل ذلك كان ضروريا لمن يريد تعقب خطوات القضاء الإداري في المغرب، أن يتريث حتى يتبين الاتجاهات التي سار فيها والمبادئ التي قررها ن ويجمع بين يديه مادة موضوعية تكفي لدراسة فقهية تحليلية.
كذلك لن نتناول في بحثنا السابق قضاء التعويض لدى المحاكم المؤسسة بظهير سنة 1912 بما ينبغي من توسيع وتفضيل لعدة أسباب، منها أن هذا الموضوع يحتاج وحده إلى بحث خاص مستقل وهو ما لم يتسع له المجال، ومنها أن إشارتنا إليه كانت كمقدمة ضرورية يستوجبها التسلسل المنطقي للعرض فقط، قبل الدخول في هذا الموضوع الذي أخذناه للبحث، ومع فإننا نأمل أن نتناول هذا الموضوع بالبحث في مناسبة أخرى.
1) وبعد هذا الإيضاح ننتقل إلى مناقشة بعض الملاحظات الموضوعية التي تستحق المناقشة في تعليق الأستاذ موسى عبود، وأولها ما ذكره تعليقه ـ تحت رقم (5) أولا، وثانيا، وواد به أن يبين أن الأخذ بنظام الدرجة الواحدة في القضاء الإداري ليس بدعة مستدلا على ذلك بمحكمة القضاء الإداري في مصر قبل سنة 1955 وبمجلس الدولة الفرنسي قبل سنة 1953، حيث كان كل منهما هو صاحب الاختصاص الابتدائي والنهائي في المنازعات الإدارية.