وممن رحل أيام السعديين أبو زيد عبد الرحمن الغنامي الشاوي المعروف برحو، وصنف رحلة ينقل عنها الأفراني أيضا في نزهة الحادي لاكنا لا نعرف شيئا عنها ولا عن صاحبها سوى أنه كان أيام السعديين، ويوجد بسطات ضريح يسمى صاحبه: سيدي رحو الغنامي، فلا ببعد أن يكون مؤلف هذه الرحلة.
وقد ختم العصر السعدي برحلة حجازية طريفة مفيدة لأحد أهل مراكش لا يعرف أدنى شيء عن حياته، ولم يرد ذكره في كتاب، وإنما يعرف اسمه من هذه الرحلة التي بقيت محفوظة بإحدى الخزانات الخاصة بفاس، وهو محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن محمد القيسي الشهير بالسراج الملقب بابن مليح، وقد سافر سنة 1040 أيام الوليد بن زيدان على طريق البر جنوبا مع الركب المراكشي ن وقلما كان يتوجه الحجاج من هذه الطريق الوعرة وقد وصفها وصفا دقيقا له قيمة كبرى من الناحية الجغرافية حيث أنه أعطى كل التفاصيل عن هذه المراحل الصحراوية القاحلة وما بها من آبار، ولعل هذه الرحلة هي الرحلة الوحيدة التي وصفت هذه الطريق التي تسير في اغمات إلى وارزازات فبلاد درعة فالصحراء الفاصلة بينهما وبين بلاد توات، ثم قطعوا بلاد توات حيث التقوا بالقائد علي بن عبد القادر الشرقي، وإلى السودان العام عن السعديين، ثم دخل الركب صحراء ازكر الفاصلة بين توات والفزان، وفيها خمسون مرحلة قطعوها في خمسين يوما قال «وصلنا بلاد فزان، وقد انتفضت الجراب، وعجزت الركاب، وماتت الرواحل، لبعد المراحل، وقد اشرف الناس فيها على الهلاك «ثم قطعوا بلاد الفزان في نحو الشهر، ثم دخلوا بلاد وجلة قبلاد سيوة فمصر فعبروا النيل ودخلوا القاهرة، وقد قطعوا المسافة من مراكش إلى مصر في نحو سبعة أشهر. ومن مصر انضم الركب المراكشي إلى الركب الفاسي وخرجا مع الركب المصري قاصدين البلاد الحجازية وقد رجع ابن مليح بعد أداء الفريضة على نفس الطريق وهي تحتوي على ثمان ومائتي مرحلة.
وهذه الرحلة المسماة (انس الساري والسارب من أقطار المغارب إلى منتهى الآمال والمآرب وسيد الأعاجم والأعارب) من أنفس ما تضمه الخزانة المغربية التي تتطلب من أبناء المغرب عناية خاصة لإبراز ذخائرها وتجلية كنوزها التي غالبت الدهر ووصلتنا في نسخ غريبة أو فريدة.
يتبع
محمد الفاسي