تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عامل الدين - عامل اللغة والأدب - عامل التربية والثقافة.

ولعل الكاتب شعر في هذه المرة بأن القارئ في حاجة إلى معرفة الأساس الذي بني عليه هذا التقسيم، فذكر بأن العوامل المادية هي التي تكون أساس الشعب أما العوامل الروحية فهي التي تكون كيان الشعب نفسه والعوامل المادية ثابتة يكاد يكره عليها الشعب إكراها.

أما العوامل الروحية فيستطيع الشعب أن يغير منها أو يعدل إذا شاعت بين أفراده إدارة واحدة.

وإذا ذهبنا مع الكاتب في تحليل هذه العوامل لنبحث عن الفلسفة وعن عمق هذه الفلسفة ومشاكلها فنكاد نجده لا يتعدى حدود العرض لأراء بعض المفكرين الغربيين، في كل عامل من هذه العوامل.

ففي عامل الجنس مثلا نرى المؤلف يعرض إلى الصراع الذي عرفناه بين المفكرين في المفاضلة بين الجنس السامي والجنس الآري وكان من بين هذه الآراء: رأي ((رينان)). فقد حاول أن ينتقص من صفات الجنس السامي ويعلي من شأن الجنس الآري فقال عن هذا الأخير، إنه فئات من الناس قصيرة الخيال، لا تستطيع أن تبتكر، ولا نظم لها الحكمة ولا في الخلق

ويعرض الكاتب في نهاية الحديث عن العوامل المادية إلى نقطة هامة هي: نقطة الخلق القومي هل هو مطبوع أو مصنوع؟ فما دامت الأمة قد سكنت سهلا أو واديا وما دامت قد نشأت بحرية أو صحراوية أو جبلية وما دامت قد انحدرت من سلالة آرية أو غير آرية أو غير فقد تحدد موقفها في كل عصور التاريخ وهؤلاء هم الحثميون .. ((والحق أن الأمة ككل مجموعة عضوية في تطور دائم والحق أن الأمة تستطيع أن تصنع نفسها وأن تتولد وأن تتغير ولم يكن حتما على أمة من الأمم أن تظل في مركز أدنى ولم يكن متيقظا لأمة أخرى أن تكون في المراكز الأعلى، فالإنسان إرادة وجهد.

هكذا يغفل الكاتب، جانب الطبيعة وتأثيرها في الأمة، ويعتمد على ما للأمة من إدارة وجهد، ومع أن الأمر لا يسير في طريق هذا الميل الكامل، وإغفال جانب الطبيعة، فكما أن لإدارة الأمة تأثيرا في حياتها، فكذلك للطبيعة تأثير، وإن كنا لا نقدر أن نجزم بتحديد نسبة هذا التأثير الذي تتجاذبه كل من إرادة الأمة وطبيعتها.

أما عن عامل اللغة والأدب، وعامل التربية والثقافة، فإنهما بقدر ما يلعبان من دور هام في تكوين القومية يلعبان كذلك دورا هاما في تكوين عالمية جديدة، بل أننا إذا كنا نحمد في الأدب القومي والثقافة القومية نعمة البناء والتكوين ونعمة التصوير والتسجيل لحياة هذه القومية بما ينعكس على هذه الحياة من مظاهر البؤس ومظاهر الفرح، فإننا من جهة أخرى لا نضمن لهذا الأدب وهذه الثقافة ميزة الأصالة والخلود ميزة الاستمرار إلا بمقدار ما يشيع في هذا الأدب وهذه الثقافة من معالم الإنسانية ومظاهر الشمول.

أما الباب الثاني فيتحدث في الكاتب عن مفهوم الكتاب المذهب القومي ونشأته وتاريخه، ولعل هذا الباب كان من حقه أن يكون مكان الباب الأول، ليمكننا بعد المعرفة لمفهوم القومية، أن نستخلص ما يتضمنه هذا المفهوم من شروط وعوامل ومقتضيات.

لقد فرق الكاتب بين القومية كعاطفة والقومية كمذهب سياسي له ما للمذاهب السياسية الأخرى من مناهج واضحة ومن سلطان على تفكير الجماعة وفرق كذلك بين مفهوم المذهب القومي ومفهوم الوعي القومي.

((فحينها حاول فليب الثاني ملك إسبانيا أن يغزو إنجلترا سنة 1588 وقف له الإنجليز جميعا وهم يشعرون بأنهم أمة واحدة، وأنه شعور قومي حقا لكنه ليس بمذهب قومي لأن المذهب القومي ليس مجرد عاطفة ولا مجرد تكتل أمام الاعتداء الخارجي بل المذهب القومي منهج خاص وأساس هذا المنهج أن يكون للشعب سلطة وأن تبرز هذه السلطة في نظام خاص.

ومن هنا نستطيع أن ندرك بأن الإنجليز لم يكن لهم مذهب قومي ولكن كان لهم وعي قومي وهكذا يمكن أن نقول في كل شعب من الشعوب قاوم ضد أي اعتداء.

والمذهب القومي كما يحدد رجل التاريخ هو ((أنه منهج خاص تتخذه كل أمة من الأمم لإصلاح شأنها)) وفي نظر رجل القانون هو أنه ((كل أمة ذات شخصية مستقلة وأنها سيدة نفسها وللأمة أن تتمتع بحق التصرف تمتعا لا يزول ولا يسقط بالتقدم وليس للأمة أن تنزل عن حق التصرف لا في الداخل ولا في الخارج))

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٨١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٨١٦