وكل ما امتاز به الكتاب هو ذلك النوع من الحصر والتقسيم والتعداد لعدة عوامل تتكون منها هذه القومية، كما كان الباب الثاني من الكتاب عرضا تاريخيا للحركة القومية وتاريخ نشأتها.
أما المقدمة، فهي بيان لطبيعة الجماعات الأولى، وأنها كانت طبيعة قومية ينظمها ويوحد بين أجزائها، ما يسمى ((بالشعور الاجتماعي)) أو ((التعاطف الفطري)) أو ((المشاركة الوجدانية)) ثم تفوقت هذه الجماعات فأصبحت تكون قوميات مختلفة لكل منها طابعها الخاص.
ثم ينتقل المؤلف إلى تعداد الشروط التي تعتبر أساسية في حياة الجماعة الراقية وذلك:
1) بان يكون وجودها مستمرا فلا تكون رهينة بغرض مؤقت.
2) وان يشعر أفراد هذا المجتمع بموقفهم من المجتمع نفسه، بأن يكون لدى كل فرد منهم فكرة عن الحياة العامة التي يحياها هذا المجتمع
3) على اتصال بسائر المجتمعات حوله.
4) وان يكون لهذا المجتمع مجموعة من التقاليد والعادات والعقائد.
5) وان ينظم أفراد هذا المجتمع الراقي وطبقاته بحيث يقوم كل فرد وكل طبقة بوظائف خاصة.
ولعل الكاتب أراد أن يقنعنا بهذه الشروط وبعددها المحدود فقاسها على الجيش، فهو جماعة من الناس تسري فيه فكرة الاستمرار ويشعر الجندي بالجيش، وكأنه كل هائل. والجيش يكافح، وله تقاليد، ولن يكون الجيش شيئا، إذا لم يكن النظام أساس كل عمل من أعمال أفراده.
ونحن اقتنعنا بهذا القياس، وآمنا بهذه الشروط، فليس من اللازم أن نقتنع بهذا الحصر، وهذا التحديد، الذي خضع لأرقام معينة، فمن الأحسن أن نعدد هذه الشروط، وندع الباب مفتوحا للبحث العلمي يزيد أو ينقص.
ثم ينتقل الكاتب إلى أشياء فكرة النظام العالمي الجديد، فيخضع وجودها، أو أماكن وجودها، إلى نفس الشروط الخمسة السابقة، وإلى أشياء أخرى، منها ((أن ننشئ في نفس الأجيال الجديدة ذلك الولاء العالمي، ونوفق بينه وبين ولائنا للجماعات القومية، ولابد قبل ذلك أن تتزايل أسباب العدوان وأن تتنازل القوات الدولية الكبرى عن سياسة الاستعمار والتوسع.
إن هذه الزيارات في الواقع ليست خاضعة بنشأة الجماعة العالمية فهي شروط أساسية حتى وجود الجماعة القومية ففكرة العدوان وفكرة العدوان وفكرة الاستعمار هما في الواقع السبب الوحيد لوجود هذه الحروب وهذا الصراع والنزاع القائم في العالم ..
ثم ننتقل مع الكاتب، فنجده يعرض علينا آراء في تطور المجتمعات، فكان من بين هذه الآراء: إن كل واحد من أفراد المجتمع الفطري الأول، ((كان ذا شخصيتين متناقضتين في وقت واحد معا. فقد كان يختلف في نفسه الولاء والعداء كما كانت تختلف على نفسه الفضيلة والرذيلة، أما الولاء والفضيلة، فقد كان يظهر للقبائل الأخرى التي تسكن فيما وراء التخوم، فيكون على هذا الرأي، إن العداء نفسه كان عاملا من عوامل التطور، وأنه لم يكن هناك سبيل لبقاء الأصلح، لو لم يدفع العداء القبائل، إلى التطاحن والتفاني. ففني الذين لا يصلحون، وورث الأرض الأفراد الصالحون)).
ويقابل هذا الرأي أن المدينة تتجه إلى ناحية الفضائل الأخرى وأنها تسرع إلى التفاهم العالمي والتعاون والسلام. وقد كنا ننتظر من الكتاب أن يعين لنا أي الاتجاهين أقرب إلى عملية التطور.
ويظهر أن الاتجاه الثاني، وهو الذي يساعد على التطور وأن سياسة التفاهم هي التي يقوم على أساسها بناء المجتمعات واستمرار الشعوب، وأن عامل الخير في نفس الإنسان - كما دلت التجارب النفسية أكثر تأثيرا من عامل الشر والبغض، وقد سجل هذه الظاهرة الإنسانية أكثر القصاصين العالميين، ومن هنا ينبغي أن نعمل على تحليل هذه الظاهرة فيما نكتب وننتج من أنواع الكتابة والفن حتى ننشئ جيلا هو إلى السلام أقرب منه إلى الحرب.
ومن هنا ينتقل بنا الكاتب، وإلى عملية الإحصاء، فيعدد لنا العوامل المادية والروحية التي تخلق هذه القومية، وتحافظ على بقائها، فالعوامل المادية:
عامل البيئة - عامل الجيش - عامل السكان.
أما العوامل الروحية فهي:
عامل الحكومة من حيث نوعها ونظامها والقوانين التي تصدرها.