تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سلسة الحضارات الإنسانية ـ تخطتها لتتصل بالحضارة الرومانية، وتأخذ منها روحها الاستعمارية وتتشرب مبادئها، وكثيرا من نظراتها الجوهرية للحياة.

((والمستعمرون أنفسهم يعترفون بذلك من حيث لا يشعرون إذ نسمعهم صباح كل مساء يردون أعمالهم إلى عبقرية الرومان)) (1) فهذه الحضارة الجديدة إذن، لم تستطع أن تتخلص من أسباب فشل الرومانية، بل إنها تتغذى من تلك الأسباب، مما جعلها تفرق إنسان الغرب، والإنسان (الإفريقي الأسيوي) أي المستعمر والمستعمر في قوانينها وسياستها وأخلاقها، وقد استطاعت بدافع فلسفتها أن تخلق للإنسانية (غاية) وهي الفناء المحقق، وزودت (المتحضر) بثقافة الرومان وعبقريتهم، للوصول إلى تلك الغاية في أسرع وقت من أقصر الطرق.

أما التجربة الإسلامية فكانت محاولة من لون جديد، فهي قد رفعت بالفعل الإنسان إلى مستوى الحضارة دون أن تفقده خصائصه الإنسانية، بل إن التاريخ ليشهد بأنها كانت تغذي الإنسان بما يقوى تلك الخصائص ويسمو بها ويبرز معالمها، فالحضارة الإسلامية تقوم في صميمها على أساس قوله تعالى (ولقد كرمنا بني آدم) وقوله صلى الله عليه وسلم (الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله) فهذه الرسالة من صميمها أن تعي أصحابها أنفسهم حق الوعي وأعمقه، فيطهرونها من كل رواسب الوحشية والانتقام، ويشحنوها بالمعاني والقيم الإنسانية، لينهضوا نهضة تشيع في خط (طنجة ـ جاكارتا) وبذلك تستطيع أن تخلص حضارة الغرب من الانهيار وبرفع (الفرد) الغربي من مستوى المتحضر غير الإنسان إلى مستوى الإنسان المتحضر. فالحضارة الغربية اليوم أهم سيمة تميزها، هي أنها واقعية فريسة لازمة أخلاقية، في حين أنها تملك من الوسائل العلمية والمادية ما يجبرها على السير إلى الأمام، غير أن هذا السير لا يتزود بضمير، وبذلك ضل الطريق نحو حياة أفضل ومهما تكن لدى الحضارة الغربية من فضائل، فهي فضائل محلية لا تتجاوز حدود الغرب، ولقد لا حظ ذلك فيلسوفنا فقال:

(وعلى كل حال، فإن مما يزيد الوهم، أن للوسط الغربي فضائل خلقية وجميلة، شهد بها ـ غاندي ـ أكثر من مرة، ولكن من الفضائل ليست سوى فضائل داخلية أنانية لا إشعاع لها، والعقل الغربي ـ وبخاصة في التعقيب على نظرية كلود ليفي ستروس ـ لا يجعل في اعتباره هذا الوضع الخاص، لأنه ـ هو نفسه ـ ذاتي، أناني من الوجهة الأخلاقية، فالفضيلة الغربية لا وجود لها بالنسبة للعالم، لأنها لا تشع على عالم الآخرين والغربي لا يحمل فضائله خارج عالمه ـ هو ـ فخارج حدوده الأوروبية لا يكون أناسا، بل أوروبيا، وهو لا يرى بعد ذلك ـ أناسا ـ بل مستعمرين، فهو يتحرك ببرجه العاجي كما يتحرك الرحالة بخيمته، وهو حيثما ذهب ـ سواء كان صانعا أو خبيرا صحفيا أو مجرد سائح في بلد مختلف ـ ينشئ ـ عن قصد أو غير قصد ـ ما يسمى ـ حالة استعمارية.

وعليه فالأوروبي لا ينشئ في هذه الحالة روابط صداقيه وأخلاقية، فإن علاقاته مع ـ المستعمر ـ وهي النوع الاقتصادي أو الإداري أو السياسي، بل حتى من النوع الاستراتيجي في بعض الحالات، تبعا لاتصاله بزبائن أو رعايا أو أقوام مستعمرين، أو لحم يطعمه للقنابل الذرية.

ورسالة (بن نبي) كما يبدو من كلامه هذا ومن غيره، أن يسمو بتلك الفضائل إلى أن تصير إنسانية

(1) من كلام أستاذنا ملك بن نبي.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٧٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٧٨٣