تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.2، ع2 /نونبر 1958 .................... ص 37

الفيلسوف الإنسان

للأستاذ: عبد السلام الهراس

((ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم)).

قرآن كريم

إن أبرز ميراث الإنسانية من الحضارة الجديدة يتلخص في كلمة ((الخيبة)) التي هي النتيجة الطبيعية لفلسفة القوة، وفصل الضمير عن الثقافة الذي هو عنصر جوهري منها. وليست هذه الخيبة سلبية، إذن لكانت حسرة في النفس وكفى، ولكنها تمثل كارثة تهدد بقاء الإنسان ووجوده ككائن حي على الأقل فمصير الإنسان معلق ((بزر)) في موسكو وآخر بواشنطن، وأي خطأ أو رعونة تقع من جانب إحدى الدولتين، كفيلة بأن تجعل الإنسان هباء منثورا تذروه الرياح.

هذه الكارثة التي ما زالت الحضارة الجديدة تغذيها بفلسفتها وسلوكها هي أثارت ضمير (مالك بن نبي) وقرعت أعماقه وإنسانيته، فهب بكل ما يملك من عبقرية وفكر، يتلمس للإنسانية الخلاص من الفناء المحقق الذي يقترب منها كل يوم بخطى واسعة.

والمشكلة التي تدفع بالكارثة دفعا إلى نقطة الانفجار، تتمثل في وجود إنسان غير متحضر، ومتحضر غير إنسان، ومهمة (مالك) هي التخطيط الدقيق العملي للارتفاع بالإنسان إلى مستوى الحضارة وبالتحضر إلى مستوى الإنسان. أي أن رسالته هي إيجاد الإنسان المتحضر، ففي هذه النقطة يوجد الخلاص للإنسانية، ومجرد التوجه الواعي نحوها من الطرفين يجعلنا نتفاءل بمصير الإنسانية، وعند الوصول إليها تذوب الكارثة، وتنحني بزوال أسبابها التي تكمن في الإنسان غير المتحضر من ناحيتها السلبية، أي اعتباره موضوعا للاستغلال والاستعمار، وفي المتحضر من ناحيتها الايجابية، باعتباره متسلطا ومستعمرا، وبمعنى أوضح تزول الكارثة بتطهير الإنسانية بشطرها من الاستعمار ومن القابلية للاستعمار.

وفلسفة مالك تقوم على النظر في التاريخ الإنساني الطويل، والتعمق في أحداثه وأسبابها، واستنباط الحقائق الاجتماعية التي نستطيع أن نستفيد منها في معالجة أزمتنا الحاضرة على ضوء ما أصبنا في الماضي من فشل أو نجاح، ولذلك يرى (مالك) أن الإنسانية مرت بأكبر تجربتين حضاريتين في التاريخ، والتجربة الرومانية والتجربة الإسلامية، وقد كانت التجربة الأولى متجلية في الروح الإمبراطورية التي تقسم الإنسان إلى مواطن يتمتع بكامل حقوقه، وإلى غير مواطن مسلوب من كل الحقوق، وعلى هذا الأساس حكمت وقننت وعالجت وفتحت. وهي وإن فشلت في معالجة مشكلة الإنسان قديما، فقد أتيح لها أن تبدو في صورة جديدة في عصرنا الحاضر. فالحضارة الغربية المعاصرة تخطت الحضارة الإسلامية ـ التي سبقتها في الزمن وكانت حلقة ضرورية في

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٧٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٧٨٢