تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للتدخلات العسكرية المسلحة، وهكذا يمكننا أن ندرك على ضوء هذه الملاحظات، مقدار الخطورة التي كانت قد تصبح متمثلة في الوضع بسوريا، والبلقان، وجنوبي شرقي آسيا، وحوض بحر الصين، وغير ذلك من مواطن الاحتكاك الدولي في مدى الفترة التي أعقبت وقوع حملة السويس.

لقد انقضى الآن ما يوازي أربعة وعشرين شهرا على بداية الاعتداء، وقد دلت المجريات العالمية في مدى هذه الفترة القصيرة نسبيا، على أن الحادث كان من حيث النتائج التي تمخض عنها، ذا تأثير جذري في مصير القضية العربية بوجه خاص، وقضية الشعوب الصغيرة بوجه عام، فقد ارتفعت بعد انتهاء العدوان، أسهم التيار العربي المتحرر في المجال الدولي ارتفاعا يؤذن بقرب انبلاج فجر العروبة منذ كانت ولايات عثمانية تافهة الشأن.

ولنتناول قصة الوحدة بين مصر وسوريا ضمن الجمهورية العربية المتحدة كمثال، فعلى الرغم من أن إمكانات التقارب بين القطرين العربيين كانت قبل متوفرة ومتعددة، مما كان يسهم دائما في تحقيق الوحدة بين الشعبين الشقيقين في الوسائل والأهداف، فإن حوادث السويس وذيول هذه الحوادث كان لها مع ذلك تأثير حاسم في تنمية هذا التقارب، ومنحه صورا حية مشرقة جعلت الوحدة بين البلدين العربيين فيما بعد أكثر يسرا وسهولة، هذا بالإضافة إلى ما أعانت عليه الحملة العدوانية من تبديد الشبهات السياسية بلبنان، وتحديد المواقف الاتجاهية في القطر الشقيق، مما كان له تأثير على توجيه الأحداث في هذا البلد العربي الغالي، هذا التوجيه الذي سيفضي في الأخير ولا ريب، إلى ما فيه صالح عروبة الشعب اللبناني.

على أنه إذا كان هناك في حملة السويس، من عبرة كبرى، فإنها تكمن ولا ارتياب في قوة هذا التجاوب في الشعور، والتضامن في النضال، بين شعوب العالم التي استطاعت أن تعبر عن إرادة موحدة قوية متحررة كان لها تأثير فاصل، إلى جانب العوامل الأخرى، في وضع حد نهائي للبغي السافر على الجمهورية المصرية المناضلة، وقد أمكن بعد ذلك لرد الفعل الإنساني هذا أن ينمو ويتطور، إلى أن كاد يستحيل الآن إلى معارضة إنسانية جماعية لكل مظاهر العدوان وأساليبه وأسبابه، وقد كان النزول الأمريكي في لبنان، والبريطاني في الأردن، مناسبة هامة لتأكيد وجود هذا التجاوب الشعبي، واسمراره، ونموه، بصورة يبدو معها أنه قد يصبح ـ فيما لو توفرت له العوامل المساعدة ـ أساسا لتحديد السلوك السياسي الدولي في عالم الغد.

فإذا كانت الشعوب في مختلف أرجاء المعمور إذن، قد أمكنها أن تشد من أزر المناضلين في بور سعيد وتظاهرهم على دحر العدوان الذي شنته الرجعية الدولية على الشعب العربي المتحرر في مصر، فإن على هذه الشعوب نفسها أن تبقى يقظة حذرة مستعدة ـ والشعب العربي إلى جانبها ـ لإحباط مشاريع العدوان في جهات أخرى من المعمور، كما أن عليها أن تزداد تقاربا وتكاثفا وتآزرا حتى تستطيع بذلك فرض المثل العليا، التي قدم شهداء المدينة المصرية الخالدة أنفسهم قربانا على مذبحها المقدس.

فليكن إذن التضامن الشعبي العالمي، وتأثيره على قوات الرجعية الدولية، ونجاحه على صعيد بور سعيد في تحقيق الأفكار الإنسانية الخيرة، العبرة الخالدة التي نستخلصها من حملة السويس بعد أن دخلت في ذمة التاريخ.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٧٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٧٨١