وهذا الكتاب لا يزال مخطوطا، وإنا عندما نظفر بأثر من آثار عصورنا الماضية لا نتأسف على عدم وجوده مطبوعا، وإنما نحمد الله على أن أفلت من الضياع، وكابر الحدثان، وبقي كآية ناطقة على ما كان لسلف هذه الأمة من الفضل في ميادين العلم والثقافة العامة، وقد طبع منه طرف يسير منذ أكثر من مائة سنة بـ (فينة) عاصمة النمسا، وقد كان أول كتاب عربي طبع إذ ذلك بمطبعة الدولة النمساوية.
محمد الفاسي
دعوة الحق، س.2، ع1 /شتمبر 1958 .................... ص 87
مع ابن جبير في رحلته
لقد قام ابن جبير في الواقع بثلاث رحلات إلى الشرق العربي، واستغرقت أولاها عامين وثلاثة أشهر ونصف شهر، ومن ثالث فبراير 1182م إلى الخامس والعشرين من شهر ابريل 1185م
ثم قام برحلته ثانية عند ما تم فتح بيت المقدس على يد صلاح الدين الأيوبي.
وقام برحلة أخرى ثالثة من (سبتة) بعد وفاة زوجه عاتكة، وجاور في هذه الرحلة طويلا بمكة، ثم انتقل إلى البيت المقدس ن وحط رحله أخيرا في الإسكندرية حيث أقام يعلم الناس، ويؤخذ عنه الحديث والتصوف إلى أن مات سنة 614 هجرية، 1217م
وتذكر بعض المراجع انه دون مشاهداته في هذه الرحالات الثلاث كلها في كتابه المعروف، ولكن الواقع كما يبدو من قراءة رحلته، وانه إنما دون بها مشاهداته في رحلته الأولى، أو ترك المذكرات عنها، جمعها بعده بعض تلامذته ورتبها، كما تذكر ذلك أيضا المراجع.
وابن جبير أندلسي الأصل، عاش فترة من حياته بفاس مدرسا للحديث وملقنا للتصوف، وهو كل من هذه الأحوال يشعر كمغربي، ويتحدث كمغربي أيضا، فقد كانت الأندلس إذ ذاك مجرد جزء من الإمبراطورية الموحوية المغربية، كما إن كلمة (المغرب) على إطلاقها، كان يفهم منها ما يفهم اليوم من (المغرب العربي) أو (شمال إفريقيا) وكان يدخل في هذا المفهوم أيضا: الأندلس، سواء في عهود انفصالها عن المغرب سياسيا، أو في العهود انضمامها إليه.
ورحلة ابن جبير تعد وثيقة تاريخية ذات أهمية خاصة، يجد فيها المعنى بدراسة التاريخ الإسلامي عنصرا أساسيا مهما نفتقده في معظم كتب التاريخ أو كلها فلا نجده، ذلك هو صف المجتمعات الإسلامية على اختلافيها، ومستوى معيشتها، وطرق تفكيرها وحظها من الرقي أو الانحطاط، فقد عنيت كتب التاريخ فقط، بأخبار الفتوحات والحروب، وتاريخ الملوك والقادة والزعماء، وأهملت إهمالا شنيعا الحديث عن الشعوب والمجتمعات، كأنها غير موجودة، أو كان التاريخ لا يمكن له أن يتنزل من عليائه للحديث عنها.
ولعل رحلة ابن جبير لم يقصد بها أن تكون كتاب تاريخ، وهي في الواقع لاتعدو أن تكون مجرد مذكرات، كان صاحبها يدون فيها مشاهداته و ارتساماته، ويستلهم العبرة من كل ما تقع عينه عليه ولست ادري هل كان ابن جبير يقدر وهو يدون هذه المشاهدات و الارتسامات، انه سكون لها كل هذا الشأن، وإنها ستحظى بكل هذه العناية، وانه سيأتي عليها زمان يجند فيه قوم من العلماء خبرتهم وعبقريتهم للبحث عن النسخ المخطوطة الباقية منها، الموزعة في أطراف العالم، لتصحيحها ومقابلتها ببعضها، ثم دفعها إلى المطبعة، لتصل عن طريقها إلى أيدي الناس.
مهما يكن، فقد حظيت رحلة ابن جبير بعناية كثير من المستشرقين، وطبعت عدة مرات، كان آخرها - فيما نعلم - طبعة صدرت في مصر في سنة 1955 بتحقيق الدكتور حسين نصار، مع تعليقات الهامش، وإشارات إلى مابين النسخ من الاختلاف.
وليس هناك شك في ان هذه العناية التي حظيت بها رحلة ابن حبير، إنما تعود في الواقع إلى أهميتها الخاصة - التي تقدمت الإشارة إليها - كوثيقة تاريخية يكتبها شاهد عيان ن ويعني فيها على الخصوص بوصف المجتمعات والعادات والمستوى الفكري واسلوب المعيشة كما يعني بوصف الآثار والمعالم التاريخية في بلد مر به، وقد ترك لنا ابن جبير في رحلته صورة حية واضحة من كل ذلك في مصر والحجاز والعراق والشام وصقلية، كما ترك لنا صورة أخرى - وان كانت أقل وضوحا - عن نوع العلاقات التجارية والاجتماعية بين المسلمين من جهة، والمسحيين الزاحفين على العالم الإسلامي في الحروب الصليبية من جهة أخرى، وعن مدى التأثير المتبادل بينهما في مختلف الميادين.