تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتظهر قيمة رحلة ابن جبير بصورة أوضح، إذا قدرنا الظروف التاريخية التي كتبت فيها، فقد كان العالم العربي الإسلامي آنذاك هدفا لحرب توسعية استعمارية شنها الغرب المسيحي باسم الدين على العالم الإسلامي، تلك هي الحروب المعروفة في التاريخ باسم الحروب الصليبية، وقد كان العالم الإسلامي موزعا ضعيفا مختلفا مختلا، ولولا الدولة الموحدية في الغرب والدولة الأيوبية الفنية في مصر والشام، لما كان من الصعب على الغرب المسيحي، أن يبتلع الشرق المسلم وان ينتقم منه شر انتقام، وإذا ذهبنا إلى الحملات الصليبية كانت حملات انتقامية كما يفهمها بعض المتأخرين من المؤرخين.

ويظهر من بعض المقارنات التي يعقدها ابن جبير إن الحالة في المغرب العربي والأندلس في ظل الدولة الموحدين، كانت تتسم بطابع الاستقرار والأمن والنظام والطاعة، وان الدولة الأيوبية في عهد صلاح الدين الأيوبي، كانت مشغولة بالحروب المتوالية والمعارك المتسلسلة، عن أن تفرغ لشأن المجتمعات لتنظيم أحوالها، وتحملها على الطاعة واحترام النظام، ومن ثم كانت الأمور في غاية من الفوضى والاختلال والارتباك وكانت أيدي الولاة والمسؤولين المحليين وأعوانهم مطلقة في أموال الناس، وكانت المعاملات تقوم على الاحتكار والغش والاستهتار والسرقة، وكان ابن جبير يضج من كل ذلك، يتحقق ما سمع الناس يتهامسون به مصر والحجاز وغيرهما من التنبؤ يقرب الخلاص على يد الموحدين، وإنهم يجدون ذلك مكتوبا عندهم في بعض كتب (الجفر) وقد تحققت بعض علاماته واشر اطه، ولم يبق إلا أن يصبح واقعا، مصداقا لما تحدثت به كتب (الجفر) وما أشارت إليه العلامات والاشتراط.

وابن جبير هنا مجرد ناقل ومدون لما يسمع، ولعلنا نستطيع أن نستشف من هذه الأسطورة التي سمع الناس يتناقلونها في مصر والحجاز مدى ما كانت تتمتع به الدولة الموحدية آنذاك في العالم الإسلامي من الإعجاب

، ونحن نعلم أن الأسطورة لا تتدخل، الا عندما يبلغ الاعجاب حدا يصبح من الصعب معه على الجماهير أن تعبر عنه بغيرها.

وابن جبير، لا يؤكد الأسطورة ولا ينفيها، ولكنه يتمنى تحقيقها، ويؤكد إيمان الناس بها هناك، بل يذكر: ((إن بعض فقهاء هذه البلاد المذكورة قد حبر خبطا أعدها للقيام بين يدي سيدنا أمير المؤمنين، أعلى الله أمره، وهو يرتقب ذلك ارتقاب يوم السعادة وينتظره انتظار الفرج الذي هو عبادة، والله عز وجل يبسطها من كلمة، ويعليها من دعوة، انه على ما يشاء قدير)).

ويتحدث ابن جبير في كل مناسبة، وبحرارة كبيرة أحيانا، عن اختلال الأحوال في البلاد الإسلامية التي مر بها، ويذكر الشيء الكثير عن عسف الولاة وظلمهم وشجعهم، ولا يخص بثنائه الا شخصا واحدا هو صلاح الدين الأيوبي.

والحقيقة أن إعجاب ابن جبير بشخصية صلاح الدين حد الوصف، فهو لايفتأ في كل مناسب يتحدث عن تقواه، ويعدد أخلاقه من كرم وحلم وشجاعة وتواضع وغير ذلك، ويسوق قصصا يدلل بها على صحة ما يقوله، ويدعو له بإخلاص لا مزيد عليه ولا ينسى في بعض وقفاته عندما يذكر الدولة الموحدية ويثني عليها، أن يقرن ذلك بالثناء على صلاح الدين والدعاء له التنويه به.

يقول ابن جبير في إحدى هذه الوقفات: ((وليحقق المحقق، ويعتقد الصحيح الاعتقاد، أنه لا إسلام الا ببلاد المغرب، لأنهم على جادة واضحة لا بنيات لها، وما سوى ذلك مما بهذه الجهات الشرقية، فأهواء وبدع، وفرق ضالة وشيع، إلا من عصم الله عز وجل من أهلها، كما أنه لا عدل ولاحق ولا دين على وجهه إلا عند الموحدين أعزهم الله، فهم آخر أئمة العدل في الزمان، وكل من سواهم من ملوك هذا الأوان، فعلى غير الطريقة، يعشرون تجار المسلمين كأنهم أهل ذلة نديهم، ويستجلبون أموالهم بمثلها، اللهم إلا هذا السلطان العادل صلاح الدين الذي قد ذكرنا سيرته ومناقبه، ولو كان له أعوان على الحق)).

ويطول بنا المقام جدا إذا حاولنا أن نتتبع ابن جبير في كل مراحل رحلته، فقد كانت رحلة طويلة مفصلة، ابتدأها من غرناطة، واجتياز البوغاز الفاصل بين المغرب والأندلس، وركب البحر إلى الإسكندرية مارا ببلاد كثيرة، وانتقل إلى القاهرة واجتاز الصعيد المصري إلى أسوان فعيذاب، ثم ركب البحر الأحمر إلى جدة، وحج، وزار المقامات المقدسة، وانتقل إلى

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٧٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٧٢٧