تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الموروثة التي تكون من كياننا، وبين العادات النفسية والذهنية التي يغرسها المجتمع فينا، فعض البنان عنده غريزة بشرية ثابتة ينبغي أن نضيفها إلى الغرائز الأربعة عشر .. وإنما هي عادة قد يتعودها بعض الناس بالمحاكاة والتقليد، وليت أمرا غريزيا كالخوف والاستطلاع، فقد يتحسر بعض الناس فيحرق أسنانه حتى يسمع لها صريف، وقد يغلو بعضهم فينتف عتنونه أو يضرب جبهته، الأمر في كل ذلك ما يعتاده الناس ساعة انفعالهم .. وهو شيء لم أقصد إليه، وإذ أنه لا يخفى على أحد، ولكني سلكت سبيل الكناية عن سقوطهم إلى الأرض بعد عزة وشموخ وكبرياء، سقوطا فظيعا يعفر جباههم بالتراب و يعضون معه الأقدام، لأن الساقط بهذه الحالة يهوي إلى الأرض وهو فاغر الفم، وهو ـ بدون شك ـ معنى دقيق يحتاج فيه إلى إسعاف، ولا يحتاج إلى عبقرية شاعر ـ كما يقول ـ ولكنه يحتاج إلى المعية ناقد ..

ويتوقف مليا عند هذا البيت:

إن لله أعينا تتقراكم

وبطشا يزجي به الأياما

فيرى أن كلمة يزجي أكرهت إكراها على مكانها الذي ينبو عنها، وإن المعنى معها غير مستقيم، ومن حقه أن يرى ما يشاء، ولكن ليس من حقه إذا أساء الفهم أن يحكم بما يشاء، إن البيت يا أخي إنذار للغاضبين بأن لله أعينا مفتحة تتقراهم في كل مكان، فلا تفلتهم، وإن له بطشا رهيبا يدخره لهم ويسوق به الأيام الثقال الحبالى، فتطلع عليهم بنقمة الله وعدالة السماء، إنها أيام نحس على الغزاة مهما تأخرت فهي قادمة، لأن الله هو الذي يزجيها ويسوقها إليهم كما يزجي السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته!.

ويتصادم (الملاحظ) مع نفسه في نقد هذا البيت:

أرمها يا فتى الجزائر نارا

تسكن الداعر الأثيم الرجاما

حين ينظر إليه من الناحية البلاغية، فيستنكر عدم التوازن بين (الداعر) المفرد (والرجام) وهو جمع، ولن أكلف نفسي أي افتراض، وإنما أهمس في أذنه بأن هذا النوع من النقد لا يقره الذوق الأدبي اليوم الذي تؤمن به، لأنه لا يهتم بالصناعات اللفظية اهتمامه بالمعاني، وهو أشبه وأليق بعصور الأدب القديم الذي أهتم بالمؤاخاة بين الألفاظ اهتماما جاوز فيه الحد، حتى عابوا على أبي تمام قوله في وصف الرماح:

مثقفات سلبن العرب سمرتها

والروم زرقتها والعاشق القضفا

ولم يكتفوا عنه بنية الجمع كما هو الحال في الداعر الأثيم. كما عابوا قول أبي نواس:

صفراء مجدها مراز بها

جلت عن النظراء والمثل

حين أجمع النظراء وأفراد المثل، وهي مؤاخاة لم يكونوا فيها منصفين، لأنهم تجاهلوا كما تجاهلت ـ أنت ـ طبيعة الشعر وضيق مجالاته، وألزموا الشاعر ما لم يلزمه، كأنه والناثر سواء، ولو كانت هذه (المؤاخاة) كما يسميها القدماء أو (التوازن) كما سميتها أنت أمرا لازما يعاب تجنيه حتى في مضايق الشعر لإلتزمها القرآن الذي هو مقياس الفصاحة ومنبع البلاغة إذ يقول: أو لم يروا إلى يروا إلى ما خلق الله من شيء ينفيا ظلاله عن اليمين والشمائل. ولو كان الأحسن أن يوازن بين الجمع والأفراد موازنة لفظية لجمعهما معا أو أفرادهما معا .. وكذلك ورد قوله: أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، جمع القلوب والأبصار وأفرد السمع. وفي القرآن مواضع كثيرة نعفيك من ذكرها.

فهل تصر مع هذا على وجوب التوازن في الشعر، وقد ورد خلافه في النشر، وفي القرآن؟ وهل تنبه قلم التحرير إلى هذه النقطة التي سقطت على دال الداعر فصيرت الدعارة ذعرا ... ؟

ولست أدري كيف يستقبح حذف الجار الداخل تقديرا على (ان تضام) في هذا البيت:

وأسق أرضا قد كان قلبك أجـ

ـدادك سقوها دماءهم أن تضاما

والأضل (من ان تضام) وهو حذف يكاد يكون متعينا، فقد استثقلوا دخول الحرف على مثله في قول أبي تمام:

إلى خالد راحت بنا أرحبية

مرافقها من عن كراكرها نكب

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٧١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٧١٩