تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سألني الأخ عن هذا، وأنا أساله أن يزيل حيرتنا فيرشدنا إلى المجموع الصحيحة لهذه الكلمات: المجال، المجاز، المطار، المعاد ن البيان ...

ويصطدم الملاحظ بكلمة (الصدام) الذي هو داء في رؤوس الدواب، وهو ما لا أقصده إلا إذا كان داء في رؤوس بني الإنسان! وإنما هو مصدر لصادم، وإذا لم يجده حضرته في كتب اللغة بخصوص هذه المادة ن فقد ذكرته فيما هو معناها ومبناها كناطح، وقاتل، وهو مصدر قياسي لا يرده عارف بمبادئ النحو.

قال ابن هشام (وقياس فاعل كضارب وخاصم وقاتل الفعال والمفاعلة، ويمتنع الفعال فيما فاؤه ياء نحو ياسر ويامن) فالقياس هنا قياس علمي تدعو إليه القواعد العلمية، ولم ينقل عن سيبويه أنه يرده، ولكنه يقدم عليه المفاعلة والسلام.

وفي هذين البيتين:

كلما مر عام ترجوا

لانتصاراتهم على الحق عاما

وانتصار الضلال والباطل الزاهـ

ـق شيء يقارب الأحلاما

يتساءل عن الطلاوة الشعرية ويتفقدها فلا يجدها وهو منا يبدو خالي الذهن من حقيقة يعرفها الناس، وهي أن الشعر عندما ينزل ليسجل الأحداث ويساير التاريخ، يفقد الكثير من خياله وطلاوته الفنية، والأبيات تسجل أماني المستعمر وأحلامه في الإحراز على النصر في (ربع الساعة الأخيرة) واستبعاد هذا النصر لأنه باطل لا ينتصر على الحق، وضلال يحيد بهم عن الهدى، ولعلني بينت للملاحظ السر في جمع الباطل والضلال، لأنهما من واد واحد، وكلاهما من أوصاف الغزاة، فهم دعاة باطل وأنصار ضلال.

أماتنا هي الابتذال الذي يراه في الأخبار (بشيء) فهو في رأينا بلاغة متناهية، وكلمة حلت مكانا لا يسد فراغه شيء، لأنها تستمد قوتها وجمالها من التركيب العام كله .. ولعل الملاحظ وضع يده على (شيء) وحدها فرآها تافهة مجردة من كل شيء .. وأزيد فأقرر أن (شيء) المنكرة هي التي تدل بتنكيرها على التفاهة والاستخفاف، هي أنسب بهذا المقام وأكثر ملائمة لانتصار الضلال والباطل المحتقر الزاهق والأحلام التافهة الكاذبة، فليس هنا ما يصلح للأخبار عن هذا الباطل كلفظ «شيء» المنكر وهي في هذا المكان تشبه نفسها في قول الشاعر:

أن صدقا لا أحس به

هو شيء يشبه الكذبا

ولعل حضرة الملاحظ لا يحتاج إلى أن أذكره بأن اللفظ المركب، أشبه بالمادة الجامدة، وإنما تشيع فيه الحياة والحرارة عند تأليفه وانسجامه مع أخواته بما يستمده من قوة وجمال إذا وقع موقعه الذي لا ينبو عنه.

ولذلك أستحسن لفظ شيء، لطف موقعه، في قول عمر بن أبي ربيعة:

ومن مالئ عينيه من شيء غيره

إذا طاف حول الجمرة البيض كالدمى

وفي قول ابن دمية:

إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة

تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا

ولم تستحسن في قول المتنبي:

لو الفلك الدوار بغضت سيعه

لعوقه شيء عن الدوران

لو روده غير ملتحم بأجزاء البيت مقطوعا عما بعده:

وأذكره بأن البناء الصحيح للبيت الأول قد تم هكذا:

يترجون كلما مر عام

لانتصاراتهم على الحق عاما

ويبلغ إلى هذا البيت وأنا أخاطب المستعمرين:

فارقبوا منه لعنة ملؤها الخـ

ـزي تعضون بعدها الأقداما

فيصرخ طالبا مني أن أسعفه، لأن المعنى قد غم عليه، ومجالات الفهم ضاقت على رحبها بين يديه، ولأن الذي يعرف هو، أن الغريزة البشرية ـ كذا ـ تجعل الإنسان بعض بنابه من الندم، وليس القدم، ويظهر أن السيد الفاضل لا يفرق بين الغرائز

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٧١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٧١٨