تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يستطيع بحسه وخبرته أن يدرك اتجاه الكاتب وآفاق تفكيره، ويستطيع أن يموضعها بالنسبة لباقي الاتجاهات والظروف الصادرة فيها ..

من أجل ذلك فإن فضيحة «الهواء الأسود» لا تعدو كونها زوبعة في فنجان، وجهدا ضائعا لإثارة فضيحة مصطنعة ..

ولا يفهم من كلامي أن النقد العربي بخير، وأنه لا يعاني من الخلط والدخلاء .. بل إنني أتمنى مخلصا أن يحتل النقد مكانته المستحقة، وأن يجتمع النقاد العرب في مؤتمر خاص ليتدارسوا المشاكل المطروحة، وليوضحوا المقاييس المبهمة، مثلما يفعله النقاد في معظم الأقطار الأوروبية*.

ناظم حكمت الشاعر الإنساني

عندما نعي ناظم حكمت الشاعر التركي يوم الأحد 2 يونيو، كتبت عنه معظم الصحف والمجلات على اختلاف نزعاتها، متغاضية عن كونه منتميا إلى الحزب الشيوعي، وراثية بموته الروح الشاعرية الرحبة التي عزفت ألحانا ستخلد في مسمع الدهر .. فما هو سر هذا التقدير؟

لعل مصدره ذلك الموقف الرائع العميق الذي اتخذه إزاء مشاكل وطنه وإزاء مشاكل العالم أجمع .. فرغم انتسابه إلى سلالة ناظم باشا، أحد دعائم الإمبراطورية العثمانية، ورغم الترف والبذخ المميزان لطبقته .. فإنه استطاع أن يتنصل من تلك العقبات «القبلية» ليلتحم مع السواد الأعظم من الشعب التركي الذي كان يبحث عن الخلاص من خلال ثورة كمال أتاتورك .. ثم بعد ذلك لتقويم الانحرافات الجديدة، ورواسب عهد «الرجل المريض».

ولكن ناظم الذي شهد في طفولته انهيار الإمبراطورية العثمانية، وعاصر في بداية شبابه قيام الثورة ثم مرحلة الخيبة .. سرعان ما أسرت مشاعره أصداء الحدث العظيم. الذي وقع بروسيا قريبا من حدود وطنه .. وإذن فليعبر البحر الأسود ليعاين بنفسه ماذا يصنع في موسكو. وهناك توثقت صلته بشاعر الثورة السوفياتية مايكوفسكي، وبالمذهب «المستقبلي» Futuriste ومعتنقيه .. فلم يعد مفهومه للشعر منحصرا في تنميق القصائد والحكم .. بل أصبح يؤمن ـ مثل اتباع هذه المدرسة ـ بأن الشعر والحياة كلاهما في حاجة إلى أن يصنع من جديد، بروح مغايرة للأفكار العتيقة ..

وهكذا انكب ناظم حكمت يدرس الماركسية، ويتعمق في هضم تيارات المسرح الجديد .. فامتلأ إيمانا وحماسا بالرسالة التي تنتظره وهي أحداث تغيير جذري في الأدب التركي ..

وإذن فليعد إلى وطنه تركيا ليحمل مشعل التجديد والتغيير .. ليناصر المستضعفين، ويغني لهم أناشيد الأمل .. ولكن الرسالة التي عاد ليبشر بها تتعارض مع سياسة الحكومة، فألقي عليه القبض ليمضي سبع عشرة سنة في سجن «بروس» الرهيب.

إلا أن الشعر المجنح لم تكن جدران السجن السميكة لتحول بينه وبين الأفئدة المتعطشة لأغاني الحرية والثورة .. وسرعان ما ذاعت داخل تركيا وخارجها لتبوأه مكانة عالمية بفضل الطابع الإنساني الذي يشع من تجاربه وصوره .. تلك المكانة التي حذت بكتاب وأدباء العالم على تنظيم حملة عالمية تطالب بإطلاق سراحه .. وتكللت الحملة بالنجاح وخرج البلبل الغريد من قفصه ليعانق الجماهير التي أحبها من أعماقه .. ولكن الوضع حتم عليه أن يعيش في المنفى، فرجع إلى موسكو حيث حصل على حق المواطنة السوفياتية .. وحيث ظل إلى آخر حياته واعيا، متحررا، جسورا على الملاحظة والنقد، عزوفا عن العقائدية الجامدة ...

وقد ترك في جميع المؤتمرات الافريقية الآسيوية التي شارك فيها أثرا طيبا، وقبسا خالدا من ثوريته ..

وكانت كل أشعاره تنضح بحب الإنسان أينما وجد، وبالإيمان العميق في غد مشرق قوامه العدالة والمحبة .. وهل هناك أقوى من هذا الإيمان الذي يتجلى في الامنية التي تعبر عنها قصيدته:

«وصية» إذ يقول:

«يا أصدقائي إذا لم يقدر لي أن أحيا ذلك اليوم

«وإذا ما مت قبل أن يشرق يومنا الآخر

«فاحملوا رفاتي إلى «الأناضول»

وادفنوني بإحدى مقابر القرية»

الرباط - محمد برادة

* سينعقد من 25 إلى 27 يوليو بباريس مؤتمر الجمعية العالمية للدراسات الفرنسية، وسيكون الموضوع الأساسي لهذا المؤتمر هو «النقد وأشكاله» ومن بين الاعلام الذين سيشاركون في هذا المؤتمر جان ستاربونسكي، وجورج بلان، وجاتيان بيكون، وكثير من أساتذة السوربون ...

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٨٠