والوعيد، ولم يقيموا وزنا لما قالته السلطات العسكرية، فقد ظلوا طوال الليل المقمر يرددون بأصواتهم القوية .. نعم ظلوا طوال الليل يرددون:
قسما بالنازلات الماحقات
والدماء الزكيات الطاهرات
والبنود اللامعات الخافقات
في الجبال الشامخات الشاهقات
نحن خضناها حياة أو ممات
وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر
فاشهدوا، فاشهدوا، فاشهدوا
*
حينما عاد مصطفى من الاجتماع وجد زوجته تنتظره. وكان الطفل الصغير موضوعا في إحدى زوايا الغرفة، وكان نشيجه يتعالى بين الحين والآخر لكي يذكر والديه بأنه يجب أن يكون موضع عنايتهما.
وكان المصباح ينفث في أرجاء الغرفة دخانه المحمل برائحة الغاز، وكان ينشر نوره الباهت الذي يسقط على الجدران البيضاء المرشوشة بالكلس ظلالا سوداء غريبة الأشكال. ونام الطفل بعد قليل وانقطع نشيجه، وشمل الغرفة سكون عميق، ثم قال مصطفى:
ـ لقد قررت أن أغادر هذه القرية، قررت يا عزيزتي أن ألتحق بإخواني، فلم أعد أطيق أن أرى كرامة وطني تداس، ولم أعد أتحمل أن أراهم يفدون بين الحين والآخر إلى قريتنا، ليقوموا فيها بما يشاءون من المناكر والمظالم.
ـ وإلى أين تريد أن تذهب؟
لا أدري .. إلى أي مكان .. المهم أن لا أبقى في هذه القرية، في الوقت الذي يستشهد فيه إخواني ..
ـ وكيف تتركني، وهذا ولدنا الصغير مشرف على الموت؟
ـ إن مئات من الأطفال يموتون يا عزيزتي ولن يكون ولدنا إلا واحدا منهم. ومن يدري، فلعله لن يموت، ولعلي سأجده حينما أرجع قد نما وصح جسمه. الوداع يا عزيزتي، الوداع.
وقام من مكانه، وأخرج من أحد مخابئ الغرفة رشاشا صغيرا، ثم اتجه إلى الباب وهو يلتفت إلى الوراء ويقول:
ـ الوداع يا عزيزتي، الوداع.
لم أعد أحتاج إلى طبيب، ولا يهمني أن يأتي فمات الطفل الصغير في نهاية الليل قبل شروق الشمس. غفا إغفاءة هادئة حتى حسبت أنه قد شفي، وعندما تلمست جسده، وجدته باردا.
يا ولدي، كم كنت سعيدة عندما كنت أضمك إلى صدري وأشم في شعرك رائحة الحياة، وأقبل وجنتيك الورديتين. كم كنت سعيدة عندما أحس بيدك الناعمة في يدي، وأسمع صوتك الجميل يناديني .. أما الآن فقد انتهى كل شيء .. فارقتني بعد أبيك .. وتركتني وحيدة في هذا البيت ..
*
لقد تعودت أن أراهم يفدون إلى قريتنا .. إنهم يجيئون بين الحين والآخر ليأخذوا عنا صورا ينشرونها في مجالاتهم كأننا حيوانات متوحشة لا تعيش كما يعيش سائر الناس. وقد تعودنا أن نراهم يحدقون فينا في شيء من الدهشة والاستغراب، ولعلهم يتساءلون كيف يعيش هؤلاء في هذه الأكواخ البائسة، وكيف لا يقضي عليهم البرد، وماذا يفعلون عندما تصب الأمطار والثلوج، وتهب رياح الشتاء؟
لقد سمعت الناس يتحدثون عن بعض المشاريع التي ستحققها السلطات الفرنسية في قريتنا ..
ومن حملة ما قيل أنهم سيبنون لنا مساكن شعبية ومستشفى ومدرسة ..
ولكن ها هم الآن يعودون. يعودون لا ليبنوا لنا دورا جديدة ومساكن شعبية، بل ليدمروا أكواخنا البائسة، ويشردونها في الفيافي والقفار.