تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يكون، على كيفه، وعلى حسب ما تقتضيه أغراضه وطبيعته الغالبة.

ونحن الآن تجاه هذه الأفكار جميعها وبعد أن حلت ديارنا هذه المدينة التي أتت بها، وقضى الأقوام الذين أتوا بها بين ظهرانينا كسادة حاكمين، وساسة مسيطرين، ما شاء الله أن يفضوا بهذه الصفة من السنوات، ولا يزالون الآن يعيشون بين ظهرانينا كمدربين ومعلمين نتلقى عنهم وبلغتهم ما قضت ظروف الاحتلال والحاجة أن نتلقى، نحن بهذه الصفة ـ سواء من حيث تأصل طبيعة الأخذ والمحاكاة، فالتقليد في الطبيعة البشرية أو من حيث نفوذ الواقع الذي يقتضيه تطور مجريات الأحوال عند مثل هذا التدخل، وهذا التلاحم بين جماعات وأفراد أو شعوب من ذوي حضرات مختلفة ـ أقول من حيث هذه الاعتبارات كلها لم يبق لنا أي اختيار في رفض مبدأ الأخذ والاقتباس من بعض هذه العادات والتيارات الفكرية. غير أن هناك حقيقة أثبتتها السنن الاجتماعية للهيئة البشرية إثبات حقيقة الإبداع والاقتباس فيها هذه الحقيقة الاجتماعية الثابتة، هي أن من طبع التقاليد الموروثة أن تستعصي عن التخلخل والتغير حتى تثبت التجربة أن التقاليد التي تريد أن تنسخها هي أقيد لحفظ الهيئة الاجتماعية، ولتطور الحضارات وترقيها، ولقد أشار العلامة الإنجليزي كارل ببرسون إلى ثبوت هذه الصفة للجماعات البشرية حين قال: «إن من أقوى المؤثرات التي تحفظ الثبات الاجتماعي وتحول دون تخلخله تلك الصفة التي نبغضها، صفة الجمود على القديم، لا بل نقول بأن العداء الصارخ الذي تقاتل به الجماعات الإنسانية كل الفكرات الجديدة لمن أخص تلك المؤثرات، وإن هذه الصفات بمثابة الكور المتلظية نبراته والذي بدونه لا نستطيع أن نفصل بين المعدن الصحيح والفضلات الزائفة، وهي التي تحمي الجسم الاجتماعي من أن يترك معرضا لتغيرات تجريبية فجائية قد تكون غير مفيدة آنا أو بالغة أقصى الضرر آنا آخر». ورسوخ هذه الصفة في الكيان الاجتماعي الإنساني هي التي حملت أحد رجال الدين والعلم في بريطانيا هو الدكتور كاربنتر على أن يضع التقاليد المسيحية في مكانتها الراسخة بين التيارات المذهبية التي أتت المذاهب الجديدة في الغرب المسيحي حين يقول: «إنني إذا ما كنت اشتراكيا بدافع من اعتبارات مسيحية فكم أكون غبيا حين أقول أن المسيحية هي الاشتراكية، هذا إلى أن الاشتراكية على مر الأزمان فلا عجب أن ينبثق منه في الغد شيء أفضل من الاشتراكية، وهنا أعاني من ارتباطي بمذهب سياسي أمسى عتيقا بال ...

وبالرغم من أن دعاة الثورة في روسيا قد خطوا المذهب الماركسي أساس انقلابهم فإن هذه الحقيقة الثابتة حقيقة احتفاظ الشعوب بتقاليدها ...... هي التي جعلت لينين نبي الاشتراكية في روسيا ... مخاطبا مستمعيه قائلا: «وأعتقد أن واجب الاشتراكيين الروس أن يقوموا بدراسة النظرية الماركسية دراسة مستقلة، لأنها نظرية عامة يمكن أن نطبق في انجلترا مثلا بطريقة تختلف عنها في فرنسا، وفي فرنسا عنها في ألمانيا، ومختلفة عنها في روسيا». ومن هنا يكون صحيحا ما لاحظه الأستاذ مالك بن نبي عن منبت الأسس الأولى للفكرة الشيوعية حين قال: «إن مؤلفات ماركس وانجلز تخفي في الواقع التكوين الحقيقي للظاهرة الشيوعية، وهذه لا يمكن أن تفسر إذا ما ضربنا صفحا عن الحضارة المسيحية تلك التي تكون عند تحللها سطح التربة الخصيب حيث استمدت الفكرة الماركسية حيويتها».

نستطيع أن نقول إذن إزاء هذه الأقوال المؤسسة على أحكام مجربة في الحقول الاجتماعية، إن التقاليد المغربية الإسلامية الأصيلة العريقة في مأمن من ضرر أولئك الذين يحاولون أن ينسخوها جملة وهم بأصول النسخ جاهلون، وإنها بطبيعتها غير قابلة للنسخ إلا على أساس سنة الله القائلة: «ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها» لذلك فعلى الذين يريدون أن يجددوا لهذه الأمة حضارتها أن يعلموا أن في الحضارات قديمها وحديثها أعراضا، وفي الحضارات قديمها وحديثها جواهر، وطبيعة الاقتباس كطبيعة الإبداع في الأمم والجماعات سنة اجتماعية لا مفر منها، غير أن الذين يريدون أن يقتبسوا الجوهر دون العرض أو قبل العرض، هم أولئك الذين أدركوا المعنى الصحيح للسنة الاجتماعية، وأصبحوا يقدرون المسئولية التطورية لمجتمعهم حق قدرها، إنهم في هذه الحالة يفكرون بالعقل الناضج، ويدللون على نضج فكره البناء في نفوسهم ويريدون أن يرفعوا لحضارتهم صرحا أعز وأطول، أما الذين يريدون أن يقتبسوا الأعراض دون الجواهر ويطمعون (الأفايين) دون الفيتامنات، فذلك دليل على أنهم لم يبلغوا بعد سن الرشد في عهد التطور الصاعد، إننا في الوقت الذي يجب أن .... بأنفسنا أن ننشد مع القطامي قوله:

ومن تكن الحضارة أعجبنه

فأي رجال بادية ترانا

الدار البيضاء: محمد الحمداوي

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٩٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٩٤٧