الاعتقاد بالقضاء والقدر إذا نجرد عن شناعة الجبر تتبعه صفات الجرأة والإقدام، وخلق الشجاعة والبسالة، ويبعث على اقتحام المهالك التي ترجف لها قلوب الأسود، وتنشق منها مرائر الثمور هذا الاعتقاد يطبع الأنفس على الثبات واحتمال المكاره ومقارعة الأهوال، ويحليها بحلى الجود والسماح ويدعوها إلى الخروج من كل ما يعز عليها بل يحملها على بذل الأرواح والتخلي عن نصرة المادة كل هذا في سبيل الحق الذي قد دعاها للاعتقاد بهذه العقيدة، الذي يعتقد أن الأجل محدود، والرزق مكفول والأشياء بيد الله يصرفها كما يشاء كيف يرهب الحوادث في الدفاع عن حقه، وإعلاء كلمة أمنه أو ملته، والقيام بما فرض الله عليه ذلك، وكيف يخشى الفقر ممن ينفق من ماله في تعزيز الحق وتشييد المجد على حسب الأوامر الإلهية وأصول الاجتماعيات البشرية لقد امتدح الله جلت قدرته المسلمين بهذا الاعتقاد مع بيان فضيلته في قوله الحق:
(الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضل عظيم)
اندفع المسلمون في أوائل نشأتهم إلى الممالك والأقطار يفتحونها ـ فأدهشوا العقول وحيروا الألباب بما دوخوا من دول وقهروا من أمم، وامتدت سلطتهم من بلاد (بيربني) وجبالها الفاصلة بين إسبانيا وفرنسا إلى تخوم الصين مع فلة العدد والعدة وعدم اعتيادهم على الأهوية المختلفة.
أرغموا الملوك، وأذلوا القياصرة والأكاسرة في مدة لا تتجاوز ثمانين سنة، أن هذا الشيء يعد بطبعه من خوارق العادات، دمروا بلادا ودكوا أطوادا ورفعوا فوق الأرض أرضانانية من القسطل وطبقة أخرى من النقع، وسحقوا رؤوس الجبال تحت حوافر جيادهم، وأقاموا مكانها جبالا وتلالا من رؤوس النابذين لسلطانهم وأرجفوا كل قلب، وأرعدوا كل فريضة، وما كان قائدهم وسائقهم إلى كل هذا سوى الاعتقاد بالقضاء والقدر.
هذا الاعتقاد هو الذي ثبتت به أقدام بعض الأعداد القليلة منهم أمام جيوش يقص بها القضاء، ويضيق بها بسبط الغبراء، فكشفوا عن مواقعهم، وردوهم على أعقابهم.
بهذا الاعتقاد لمعت سيوفهم بالمشرق، وانقضت شهبها على الحيارى في ميادين الحروب من أهل المغرب، وهو الذي حملهم على بذل أموالهم وجميع ما يملكون في سبيل إعلاء كلمتهم لا يخشون فقرا ولا يخافون فاقة، هذا الاعتقاد هو الذي سهل عليهم حمل أولادهم ونسائهم، ومن يكون في حجورهم إلى ساحات القتال في أقصى بلاد العالم كأنما يسيرون إلى الحدائق والرياض، وكأنهم أخذوا لأنفسهم بالتوكل على الله أمانا من كل غادرة، وأحاطوها من الاعتماد عليه بحصن يصونهم من كل طارفة، وكان نساؤهم وأولادهم يتولون سقاية الجيوش وخدمتها فيما تحتاج إليه لا يفترق النساء والأولاد عن الرجال والكهول إلا يحمل السلاح، ولا نأخذ النساء رهبة وتغشي الأولاد مهابة، هذا الاعتقاد هو الذي ارتفع بهم إلى حد كان اسمهم أثناءه يذيب القلوب، ويبدد أفلاذ الأكباد حتى كانوا نيصرون بالرعب بقذف به قلوب أعدائهم فينهزمون بجيش من الرهبة قبل أن يشيعوا بروق سيوفهم ولمعان أسنتهم وقبل أن تصل تخومهم أطراف جحافلهم.
فمن بداية تاريخ الاجتماع البشري إلى اليوم ما وجد فاتح عظيم ولا محارب شهير نبت في أواسط الطبقات ثم رقى بهمته في أعلى الأوج فذللت له الصعاب، وخضعت له الرقاب وبلغ من بسطة الملك ما يدعو إلى العجب، ويبعث الفكر على طلب السبب إلا وكان معتقدا بالقضاء والقدر.
فالإنسان حريص على حياته، شحيح بوجوده على مقتضى الفطرة والجبلة، ولكن لا يهون عليه اقتحام المخاطر، وخوض المهالك، ومصارعة المنايا إلا الاعتقاد بالقضاء والقدر، وركون نفسه إلى المقدر كائن وليس هناك أثر لهول المظاهر، أثبت لنا التاريخ الأمين ـ أن كورش الفارسي (كيخسرو) الذي عد أول فاتح عرفه تاريخ الأقدمين ـ ما تسنى له الظفر في انتصاراته إلا لأنه كان مؤمنا في اعتقاد قاطع بالقضاء والقدر فكان لهذا الاعتقاد لا يهوله هول ولا توهن عزيمته شدة، وإن اسكندر الأكبر اليوناني كان مما رسخت في نفسه هذه العقيدة ـ عقيدة القضاء والقدر.
وهذا جنيكيز خان التتري صاحب الفتوحات الشهيرة كان هو نفسه من رجال هذا الاعتقاد بل نابليون الأول ـ بونابرت الفرنسي من أشد الناس تمسكا بعقيدة القضاء، وهي التي كانت تدفعه بعساكره القليلة على الجماهير الكثير فنهيا له الظفر ونال بغيته من النصر.