دعوة الحق، س.6، ع6 /مارس 1963 .................... ص 23
عقيدة القضاء والقدر
بقلم الأستاذ: عبد الله الجراري
إن للعقائد سلطانا على الأعمال البدنية ـ فما يكون في الأعمال من صلاح أو فساد ـ فمرجعه فساد العقيدة وصلاحها ـ ورب عقيدة واحدة تأخذ بأطراف الأفكار فيتبعها عقائد ومدركات أخرى، ثم تظهر على البدن بأعمال تلائم أثرها في النفس، ورب أصل من أصول الخير، وقاعدة من قواعد الكمال إذا عرضت على الأنفس في تعليم أو تبليغ مبدأ يقع فيها الاشتباه على فهم السامع فيلتبس عليه بما ليس من قبيلها وتصادف عنده بعض الصفات الرديئة والاعتقادات الباطلة فيعلق بها عند الاعتقاد شيء مما تصادفه، وفي كلا الحالتين يتغير وجهها ويختلف أثرها، وربما تتبعها عقائد فاسدة مبنية على الخطأ في الفهم، أو على سوء الاستعداد فتنشأ عنها أعمال غير صالحة، والمغرور بالظواهر يظن أن تلك الأعمال إنما نشأت عن الاعتقاد بذلك الأصل، ومن مثل هذا الانحراف في الفهم يقع التحريف والتبديل في بعض أصول الأديان غالبا بل هو علة البدع في كل دين، وكثيرا ما كان هذا الانحراف وما يتبعه من البدع منشأ لفساد الطباع، وقبائح الأعمال حتى أفضى ممن ابتلاهم الله به إلى الهلاك وبئس المصير.
وهذا يحمل بعض من لا خبرة لهم على الطعن في دين من الأديان، أو عقيدة من العقائد الحق ـ استنادا إلى أعمال بعض السذج المنتسبين إلى الدين أو العقيدة.
فتلك عقيدة القضاء والقدر التي تعد من أصول العقائد في الديانة الإسلامية قد كثر فيها لغط المغفلين من الأجانب ـ كالإفرنج ـ وظنوا بها الظنون، وزعموا أنها ما تمكنت من نفوس قوم إلا وسلبتهم الهمة والقوة، وحكمت فيهم الضعف والضعة، ورموا المسلمين بصفات حاصرين علتها في الاعتقاد بالقدر ـ فقالوا إن المسلمين في فقر وفاقة، وتأخر في القوى الحربية والسياسية عن سائر الأمم، وقد نشأ فيهم فساد الأخلاق ـ كالكلب والخيانة والتحاقد والتباغض وتفرقت كلمتهم، وجهلوا أحوالهم الحاضرة والمستقبلة، وغفلوا عما يضربهم وما ينفعهم بحياة يأكلون فيها ويشربون وينامون وكأنهم من حظيرة عجماوات الحيوان يكدون في جهد، ولا ينافسون غيرهم في فضيلة ـ ولكن رضوا بكل عارض واستعدوا لقبول كل حادث، وركنوا إلى السكون في زوايا بيوتهم، يسرحون في مرعاهم، لم يعودون إلى مأواهم ـ امراؤهم في المجموع يقطعون أوقاتهم في اللهو واللعب ومعاطاة الشهوات ـ وعليهم حقوق وواجبات تستغرق في أدائها إعصارهم، ولا يؤدون شيئا منها يصرفون أموالهم سرفا وتبذيرا حتى لا يدخل في حسابها شيء يعود على ملتهم بجدوى ومنفعة.
يتخاذلون ويتنافرون وينيطون المصالح العمومية بمصالحهم الخاصة ـ فشملهم الخوف، وعمهم الجبن والخور ـ وقعدوا عن الحركة وكل ما يلحق بأممهم عزة ومضاء شوكة، مخالفين تعاليم الدين الحنيف بل الذين نحت سلطتهم يتقدمون ويباهونهم بما يكسبون وإذا أصاب قوما من إخوانهم مصيبة، أو عدت عليهم عادية لا تراهم يسعون في تخفيف مصابهم، ولا ينبعثون لمناصرهم وليست لهم جمعيات ملية لا جهرية ولا سرية يكون من مقاصدها إحياء الغيرة، وتنبيه الحمية ومساعدة الضعفاء وحفظ الحق من بغي الأقوياء وتسليط الأجانب، هكذا تسبوا إلى المسلمين هذه الصفات وزعموا أن لا منشأ لها إلا