تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يعنينا هنا استطراد في صلب الموضوع مثل قوله: «المعاني القائمة في صدور الناس المتصورة في أذهانهم والمتخلجة في نفوسهم، والمتصلة بخواطرهم، والحادثة عن فكرهم، مستورة خفية، وبعيدة وحشية، ومحجوبة مكنونة، وموجودة في معنى معدومة، لا يعرف الإنسان ضمير صاحبه، ولا حاجة أخيه وشريكه، ولا معنى شريكه والمعاون له على أموره، وعلى ما لا يبلغه من حاجات نفسه إلا بغيره (*)». وأمثلة كثيرة أخرى نجد أبى عمرو فيها حائما حول معنى واحد يشبعه تقليبا وتلوينا، وكثيرا ما أفصح من أنه يجنح إلى هذا المنحى للترويح عن القارئ.

1 - التلوين الصوتي:

تكسب الاستطرادات أسلوب الجاحظ تداعيا في المعاني يجعله سهلا رقراقا كما أن اختياره للألفاظ وتمرسه الطويل باللغة وأساليب العرب وبراعته في استعمال الجمل الواضحة أضفى على كتابته سهولة وموسيقى تطرب الأذان وتلمس شفاف الفؤاد، ويزعم الدكتور طه حسين أن السهولة والانسجام الصوتي لم يكن خاصية في أسلوب الجاحظ وحده: «فنحن عندما نقرأ نثرا كنثر الجاحظ لا نحس عسرا في فهمه بل نجد يسرا ومرونة، وفوق هذه المرونة واليسر كسب النثر خصلة أخرى هي الموسيقى (*)».

4 - التلوين العقلي:

في الجزأين الثاني والثالث يتضح التلوين العقلي أكثر من الجزء الأول ولكن بعض الشواهد القليلة الموجودة تنهض نهوضا ما لتعزيز هذه الخاصية، فمثلا الشاهد التالي وفيه تبدو عقلية الجاحظ المنظمة المحللة الخصبة، يقول: «إذا سمعتموني أذكر العوام فإني لست اعني الفلاحين والحشوة الصناع والباعة، ولست أعني الاكراد في الجبال وسكان الجزائر في البحار، ولست اعني من الأمم مثل الببر والطيلسان ومثل موقان وجيلان ومثل الزنج وأمثال الزنج وإنما الأمم المذكورون من جميع الناس أربع: العرب والفرس والهند والروم، والباقون همج وأشباه الهمج، وأما العوام من أهل ملتنا ودعوتنا ولغتنا وديننا وأخلاقنا فالطبقة التي عقولها وأخلاقها فوق تلك الأمم ولم يبلغوا منزلة الخاصة منا، على أن الخاصة تتفاضل في الطبقات أيضا (*).

ونجد مثل هذا التلوين في مواضع أخرى مثل الحديث المفصل عن اللثغة وأنواعها، والدلالات وأنواعها مثل العقد والإشارة والخط ...

والجاحظ بأسلوبه الرائع ذي الخصائص المنصوص عليها أثري اللغة العربية بالكثير من الوليدات المبتكرة والجمل المحكمة الجزلة، يقول الأستاذ توفيق الحكيم:

«والحق أن الجاحظ وقد مضى على وفاته أكثر من ألف عام هو الأستاذ لأكثر رجال القلم في الأدب العربي المعاصر، لأنه رفع علم التجديد وعلم الكتاب، وعرف أن الأسلوب أداة التعبير والتقويم عن النفس والفكر لاوشى من اللغو، ولا بضاعة من زخرف يراد بها اللهو (*).

تعليق عام على الكتاب:

لا شك أن الخلط والتهويش الذي ينضح بهما الجزء الأول من البيان والتبيين يسترعيان الانتباه ويدفعان إلى التساؤل والاستفهام، ولكننا لا نقدر على نكران أن الجاحظ «جمع فيه طائفة من القواعد تعطينا فكرة طيبة عن تصور العرب للبيان في القرن الثاني والنصف الأول من القرن الثالث، ويمكننا على الأقل من رسم فكرة تقريبية عن نشأة البيان العربي وإن لم تحدد تاريخ هذه النشأة (*)، لكن التساؤل عن هذا الاضطراب المنهجي يظل قائما لأنه ليس أول كتاب ألفه الجاحظ: «فالبيان والتبيين من أواخر حديث الجاحظ (*)».

(*) من حديث الشعر والنثر ص 63.

(*) البيان 160.

(*) فن الآداب 68.

(*) بلاغة العرب وهو بحث بالفرنسية ص 5.

(*) دائرة المعارف الإسلامية ج 6 ص 28.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٨٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٨٤٧