تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أدل على هذه المساواة، وتلك الديمقراطية التي شرعها الإسلام من قوله تعالى مخاطبا نبيه الكريم في سورة الأنفال: «هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم» وقوله عليه الصلاة والسلام: «ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى».

ويمدنا نظام الرقيق في الإسلام، بمثل رائع من أمثلة الديمقراطية الإسلامية والحرية والعدالة والإخاء، التي ينعم بها المسلمون جميعا، والمساواة التي تتمثل وهم في المسجد يؤدون فريضة الصلاة أو في مكة المكرمة، وهم يحجون بيت الله، فقد جعل الإسلام المؤمنين إخوة، لا تفاوت بينهم إلا بقدر ما يتفاضلون به من الحق، يتبين ذلك من قول الرسول الكريم في خطبة الوداع: «أيها الناس إنما المؤمنون إخوة، إن ربكم واحد، وأن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى».

وتتجلى هذه الديمقراطية الإسلامية، مما روي، من أن احد الموالي، خطب إحدى بنات رجل من الأحرار، فقال أهلها: يا رسول الله: أنزوج بناتنا موالينا؟ فنزل قوله تعالى في سورة الحجرات قاضيا على التفرقة في الطبقات، التي لا تميز بين سيد ومسود: «يا أيها الناس إن خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم».

إن الإسلام، وان كان قد أباح الرقيق أول الأمر، حاول أن يلغي ذلك النظام، ويحول دون بقائه فوضع أسسا، يلزم فيها السيد بإعتاق مولاه، بل لقد ذهب الرسول إلى القول بأن العتق من اجل العبادات، وانه كفارة لبعض الخطايا والحنث في الإيمان.

بل إن الإسلام، اعتبر الرق عارضا، وشرع وسائل مساعدة الأرقاء، على استرداد حريتهم واستقلالهم وذلك عن طريق المكاتبة والتدبير، فقد أذن للعبد، أن يحترف التجارة، ليحصل على ما يدفعه لسيده من نجوم (أي اقساط) الكتابة، وألزم سيده أن يتركه ليشتغل، حتى يؤدي ما عليه من المال، المتفق عليه لتحريره، كما سن الإسلام طريقة التدبير، وهي أن يوصي السيد بان يكون عبده حرا بعد موته.

وقد رأى بعض فقهاء المسلمين، أن اقل وعد من السيد، أو أقل احتمال للوعد بالتحرير يجعل التحرير ضروريا، كما رغب الإسلام في إعتاق الرقيق بدون مقابل ابتغاء مرضاة الله وحسن ثوابه، قال تعالى في سورة البلد: «ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة».

وجعل الشارع من مصارف الزكاة، عتق الرقاب بأن يعطي الحاكم للرقيق المكاتب، ما يستعين به على تحريره، أو أن يشتري الحاكم العبيد بمال الصدقة ويعتقهم.

ومع ذلك فقد سوى الإسلام بين الرقيق ومولاه، في الطعام والشراب واللباس، وفي التعليم والتهذيب، كما حث على حسن معاملتهم، ورغب المسلمين في تحرير الأرقاء، وكان المسلمون يعاملون الرقيق معاملة تتجلى فيها روح الديمقراطية الإسلامية، وتتمثل فيها الحضارة تمثيلا رائعا، فقد ظفر الموالي باسمى الرتب وتسنموا أعلى المناصب، ومن أحسن الأمثلة زيد بن حارثة مولى الرسول، وكان رابع أربعة دخلوا في الإسلام، بل لقد ذهبت السيدة عائشة إلى أن زيدا لو عاش لاستخلفه الرسول من بعده.

وليس أبلغ في الدلالة، على ديمقراطية الإسلام، من أن الرسول كان لا يحب أن يسمع أحدا يقول: عبدي أو أمتي، وقد أمر المسلمين أن يكفوا عن أن يقولوا: فتاي وفتاتي، رأى الرسول رجلا على دابة وغلامه يجري خلفه، فقال للرجل: ياعبد الله، احمله خلفك فإنما هو أخوك، روحه مثل روحك، فحمله الرجل، وكان لهذه الرحمة وهذه الديمقراطية أثر بعيد في تحرير الأرقاء، ونشر المساواة بين المسلمين كافة، ولم تكن عناية الإسلام بالرقيق، مقصورة على القرآن وعلى الرسول، بل لقد شملت عامة المسلمين. فهذا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول: أني لاستحيي أن استعبد إنسانا، يقول: ربي الله.

وان معاملة الإسلام للرقيق، لتدل على ديمقراطية هذا الدين، وتناقض كل المناقضة هذه الأساليب التي تتخذها شعوب تدعى أنها تسير في طليعة الحضارة.

.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٨٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٨٢٣