تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن هذا السيل من المشروعات والمنجزات، والعدد الضخم من الكتب والمجلات التي أصدرتها القاهرة خلال السنة الفارطة، يقيم الدليل الواضح على المكانة الرفيعة التي أصبحت الثقافة تحتلها في المجتمع العربي. ولا شك أن هذه المرحلة بما تتوخاه من تنظيم وتخطيط ومسايرة للمذهب الاشتراكي العربي، هي أفضل بكثير من مرحلة ترك الحبل على الغارب، وإهمال الأدباء والمفكرين .. فالثقافة بمفهومها الواسع صرح عظيم لا يكفي المجهود الشخصي لبنائه، وبخاصة في عصر سريع التطور، مرتفع الوعي ..

وقد لاحظ التقرير بحق، أن اشتمال «الميثاق» على أسس الثقافة والعلوم والفنون والأدب في المجتمع، رفع من معنوية المثقفين، وأشعرهم بخطورة الدور الملقى على عاتقهم .. وهو دور إيجابي، يتحتم أن يحتفظ، دائما باستقلاله وتلقائيته، كما جاء في الميثاق:

«حرية الكلمة هي التعبير عن حرية الفكر في أي صورة من صوره، كذلك فإن حرية الصحافة هي أبرز مظاهر حرية الكلمة ويجب أن تتوافر لها كل الضمانات .. »

وأريد أن أسجل ملاحظة أوحت لي بها قراءة التقرير، وهي أن عناصر الأدباء الشباب المتوفرين على ثقافة متحررة متطورة، لم يتبوأ بعد المكانة التي يجب أن تفسح لهم للمشاركة في بناء صرح الثقافة الجديدة .. وما تزال هناك عناصر من محترفي الأدب، تظاهرت بالتطور والاستعداد لتقبل المفاهيم الحديثة، مع أن رواسب ثقافتها وتكوينها يعوقانها عن السير بالسرعة اللازمة .. ولعل الأمر يتوقف على عنصر الزمن، حتى تستطيع العناصر المثقفة الشابة أن تضاعف من زحفها، لاستلام زمام القيادة، وترجمة أفكار الجيل العربي الصاعد ..

... وحصادنا

وحصادنا صفر على اليسار كما يقولون .. عدد الكتب التي صدرت هذه السنة يعد على الأصابع .. موضوعاتها ليست من الأهمية في شيء .. وعدد المسرحيات قليل، ومستواها لا يرتفع إلى المستوى الفني والفكري المطلوب .. والموسيقى طغت عليها المناسبات، والفنون التشكيلية منعدمة، والرسم يسير ببطء .. صورة قاتمة ولكنها واقعية .. وكل خطوطها تؤكد أن الثقافة لم تحتل بعد المكانة اللائقة من قلوبنا وعقولنا .. ولم تفرض رسالتها في التوجيه والخلق .. ومن ثم هذا التخلخل في الكيان القومي، والقلق والغموض في المشاعر الفردية .. فنحن شعب يعيش عالة على الإنتاج الثقافي للدول الأخرى .. نقرأ للأوربيين والروسيين والأمريكيين، ولإخواننا العرب، ولكننا لا نعثر على أدب يعكس صورة مجتمعنا، ويساعدنا على فهم ذواتنا .. هناك نشاط ثقافي إذا تجاوزنا في استعمال اللفظة، ولكنه نشاط متهافت، سريع، فلما يخلف أثرا عميقا .. وكلنا شاعرون بالأزمة، وأكثرنا من التحدث عن أسبابها وظروفها .. ولكننا لم نقم بعد بأي عمل منظم لإذابة الجليد .. فلا غرابة أن يكون حصادنا الثقافي لهذه السنة هزيلا .. وأخشى أن يظل كذلك إلى ما شاء الله ..

مسرحية المرأة المتوحشة أو مخاض شعب

تعرض حاليا بباريس مسرحية «المرأة المتوحشة» للأديب الجزائري «كاتب ياسين» .. والحديث عن هذه المسرحية يستلزم وقفة طويلة عند هذا الكاتب الغني: فهو ينتسب إلى «جيل المأساة» من أبناء الجزائر .. لم يلتحق بالمدرسة إلا في سن متأخرة، ولم يتلق دراسة منظمة، بل اضطر إلى الانغمار في عباب المجتمع ليكسب قوته، ثم هاجر إلى فرنسا حيث تفاعل مع الحركة التقدمية، واختمرت في نفسه «المأساة» فأخذ يبحث عن شكل أدبي يسجل من خلاله مشاهدته وتجاوبه مع المعركة ..

وفي البداية نظم «كاتب ياسين» الشعر، ولكنه سرعان ما تخلى عنه مؤقتا ليكتب رواية بعنوان «نجمة». وهذه الرواية أثارت انتباه النقاد إلى موهبته، ونزوعه الابتكاري، فكتبوا عنها مقالات تحليلية ضافية، وأجمعوا على أن «نجمة» لا تخضع للنمط الروائي المعروف، بل هي بحث عن تكنيك قصصي جديد يجمع بين الشعر والنثر، وبين الواقعية والرمز ..

ولكن الطاقة الشعرية لكاتب ياسين لا تلبث أن تلح عليه، فيعود ليفسح لها المجال في شكل جديد هو القالب المسرحي .. فقد كتب مسرحية «الجثة المحاصرة» Le cadavre encerclé مثلت على بعض المسارح في بلجيكا وفرنسا .. والظاهرة اللافتة في إنتاج هذا الأديب هو أن موضوعاته جميعها تنبع من

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٨٥