ومن أجل هذا فإن الناس لم يندهشوا حينما انتشرت الرائحة الكريهة. ومن ذلك الوقت أصبح الناس يعتقدون بأن الفساد والانحلال قد أصابا أسرة جريرسن القوية المتمتعة بنفوذ كبير.
وذهبت إحدى الجارات لكي تشتكي إلى رئيس البلدية، القاضي ستيفنس، الذي كان يبلغ عمره حينذاك ثمانين سنة. فقال لها:
ـ ماذا تريدين مني يا سيدتي أن أفعل؟
فقالت المرأة:
ـ ابعث إليها كلمة حتى تضع حدا لهذا الأمر ـ ألا يوجد هناك قانون؟
فقال القاضي ستيفنس:
ـ إني متأكد أن ذلك لن يكون ضروريا، ومما لا شك فيه أن مصدر الرائحة إما أن يكون أفعى ميتة أو جرذا قتله الزنجي في ساحة الدار. سأبعث إليهما كلمة حول ذلك.
وفي اليوم التالي، تلقى شكايتين إحداهما جاءته من رجل تقدم نحوه خجولا متوسلا:
ـ يا سيدي القاضي، يجب عليك أن تقوم بعمل ما. وأنا، وإن كنت لا أنوي أن أزعج الآنسة إميلي إلا أنه يجب أن نقوم بعمل ما.
ذلك المساء، اجتمع المجلس البلدي. ويتركب هذا المجلس من ثلاثة شيوخ وشاب ينتمي إلى الجيل الجديد. فقال هذا الأخير:
ـ إن الأمر بسيط. ما عليكم إلا أن ترسلوا إليها من يخبرها بضرورة تنظيف منزلها. أعطوها مهلة كي تقوم بذلك. وإذا لم ..
فقال القاضي ستيفنس:
ـ يا سيدي، هل من اللياقة في شيء أن تقابل سيدة وتقول لها بأن رائحتها كريهة؟
وفي الليلة التالية، بعد منتصف الليل بقليل، اجتاز أربعة رجال حديقة الآنسة إميلي، وظلوا يطوفون حول المنزل مثل اللصوص، وهم يشمون الروائح التي تنبعث من قاعدة المنزل ومن القبو، وظل أحدهم طوال تلك المدة، يقوم بنفس الحركة التي يقوم بها من يبذر الحب. وحطموا باب القبو ونثروا فيه وفي ملحقاته الكلس. وحينما عادوا أدراجهم عبر الحديقة، شاهدوا نورا في النافذة التي كانت حتى ذلك الحين مظلمة. لقد كانت الآنسة إميلي جالسة وقد أدارت ظهرها للنور، وكانت ساكنة في جلستها مثل التمثال. واجتازوا الحديقة بهدوء، وتسللوا داخل أشجار الأكاسيا التي تصطف على جانبي الطريق. وبعد مرور خمسة عشر يوما تقريبا، انقطعت الرائحة.
وعند ذلك بدأ الناس يشعرون نحوها بالشفقة. إن سكان المدينة الذين لا يزالون يذكرون عمتها التي فقدت عقلها تماما، أصبحوا يعتقدون بأن أسرة جريرسن متكبرة، ومن غير أن يكون في ماضي هذه الأسرة ما يبرر هذا الكبرياء. إن هذه الأسرة تعتقد بأنه لا يوجد في المدينة شاب جدير بالآنسة إميلي. وكنافي بعض الأحيان نتخيل هذه الأسرة مثل الشخصيات التي نشاهدها في اللوحات الفنية: ففي خلفية اللوحة تبدو الآنسة إميلي رفيعة القامة في لباسها الأبيض. وفي الأمام يبدو والدها وقد أدار لها ظهره وفرع رجليه وأمسك بيده سوطا. وكلاهما واقف ضمن الإطار الذي يرسمه الباب المفتوح على مصراعيه. ومن أجل هذا، فحينما بلغت الآنسة إميلي الثلاثين من دون أن تتزوج، شعرنا بأننا قد أخذنا منها ثأرنا، وإن كنت لا أعني أن ذلك قد أدخل في أنفسنا السرور. ولا شك أنها لم تكن لترفض سائر عروض الزواج التي من المحتمل أن تكون قد قدمت إليها رغم إصابة هذه الأسرة بالجنون.
حينما توفى والدها شاع الخبر بأن الدار هو كل ما بقي لها من متاع. وشعر الناس بشيء من السرور لهذا الأمر، إنهم يستطيعون الآن أن يضمروا للآنسة إميلي شيئا من العطف. إن الوحدة والشقاء قد جعلا منها بشرا سويا. إنها الآن ستعرف مثل غيرها من البشر هذه الفرحة وهذا اليأس الذي عرفه البشر منذ القديم، حينما يكسب قرشا أو يضيع منه ذلك القرش.
بعد مرور يوم على وفاة والدها، استعدت سائر السيدات لزيارتها من أجل عرض مساعدتهن وتقديم عزائهن، كما جرت العادة بذلك. واستقبلتهن الآنسة إميلي على العتبة. ولم تغير ثيابها كما أنه لم يبد أي أثر للألم على وجهها. وقالت لهن بأن والدها لم يمت. واستمرت تكرر ذلك مدة ثلاثة أيام، في الوقت الذي كان فيه رجال الدين والأطباء