بالمخلوقات على الخالق، وقد نبه القرآن الكريم إلى ذلك في مواضع كثيرة، وقد تقدم بعضها، كقوله تعالى (أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي، أفلا يؤمنون. وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم، وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون. وجعلنا السماء سقفا محفوظا، وهم عن آياتها معرضون) ولا يزال الطالب يرتقي في معرفة الله بالاستدلال حتى تحصل له المعرفة الوجدانية الذوقية وتنزل في قلبه السكينة. وذلك هو الذي يعبر عنه العارفون بالوصول إلى الله.
1) قوله، الذي يحمله على دعوى المشاركة في الربوبية. من التعاليم الفاسدة الموجودة عند فريق من الناس في هذا الزمان، أن الإنسان من حيث المجموع هو القوة العظمى التي لا نهاية لعظمتها، وليس وراء هذه القوة قوة أخرى، وأنه بذلك على كل شيء قدير وبكل شيء عليم، ولا حاجة له أن يستمد العون والقوة إلا من نفسه. وهذا هو الذي أشار إليه المصنف بدعوى المشاركة في الربوبية. أقول، ومن هذا القبيل كان غرور فرعون ملك مصر، إذ قال أنا ربكم الأعلى.
ومثله نمرود ملك العراق قال لإبراهيم في محاجته له، أنا أحيي وأميت. والعجب من هذا الفريق إذ يعطى كل هذه القوة الإنسان من حيث المجموع، فإنه يحتقره من حيث هو فرد كل الاحتقار ولا يجعل له قيمة أصلا، وهذا في غاية التناقض. والحق أن خضوع الإنسان أمام عظمة الله واستمداد العون والقوة منه ليس حطا من شأنه ولا ضعفا ولا عجزا، بل هو أعظم قوة ترفع الإنسان وتسير به إلى الإمام في طريق الرقي الكامل الحافظ لكرامة الإنسان فردا أو جماعة.
2) قوله، ونتمسك بالإخوة الإنسانية. الأخوة الإنسانية الكاملة هي أجل الغايات التي دعا إليها الأنبياء والصالحون من أتباعهم وكذلك فلاسفة الأخلاق، وهي أسمى الغايات الاجتماعية. قال تعالى في سورة الأنبياء (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين،» فمحمد رسول الله أرسله الله رحمة لجميع الناس وهو القائل: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. فيجب على من أراد اتباعه والإقتداء به أن يكون رحمة للعالمين وبذلك تعم المحبة وتتحقق الأخوة والتعاون بين البشر ويتلاشى الشقاق والنزاع ويخسأ شيطان التعصب ويصير الناس إلى المدنية الفاضلة.
3) بهذا المقال تتم ترجمة كتاب (ليس الإنسان مهملا) للعالم الكبير (كريسي مورسون) مع التعليقات التي فتح الله بها. وأني لأشكر إدارة مجلة دعوة الحق التي تفضلت بدعوتي إلى كتابة هذه المقالات، كما أرجو أن تخطو خطوة أخرى فتجمع هذه المقالات وتطبعها وتخرجها كتابا يمكن أن يكون هدية لقراء المجلة تعويضا عن الشهرين اللذين تتوقف فيهما المجلة، فإني على يقين أن كثيرا من قراء مجلة دعوة الحق وغيرهم سيتلقون هذا الكتاب بغاية الارتياح وجزيل الشكل. وما ذلك على الهمم العالية بعزيز.
وكان ذلك في سادس رجب الحرام سنة اثنين وثمانين وثلاثمائة وألف بمدينة مكناس المحروسة. وصلى الله وسلم على خير خلقه محمد وآله وصحبه.
مكناس: الدكتور تقي الدين الهلالي