دعوة الحق، س.6، ع3 /ديسمبر 1962 .................... ص 22
الدين والمجتمع
للأستاذ: الحسن السائح
إن الحياة الاجتماعية التي يعيشها الإنسان عبارة عن قطاعات متعددة يرتبط بعضها ببعض ويساند أحدها الآخر، ولعل هذا الارتباط وهذا التساند يكون بين الجميع لحمة اتصال نفسر به أوجه الاتصالات والترابطات، بل لا يتأتى لنا أن نعرف كل قطاع على حدة إلا بعد معرفة القطاعات الأخرى ومدى اتصاله بها جميعا. لذلك كان من الضروري لفهم الحياة الاجتماعية أن تفهم في قطاعاتها المتعددة وأن تربط دائما بين وحداتها حتى نتمكن من أخذ الأمر من ناحية ونتعمق في فهم المسببات والعلل.
ويظهر أن القطاع السياسي والقطاع العقائدي عظيم الأهمية يتصلان ببعضها اتصالا وثيقا ويمسان جوهر باقي الميادين الحيوية للإنسان، ولا يمكن بحال أن يعرف أي إنسان مهما كان عظيم الثقافة سبر الأحداث واتجاه الأعمال، والالتزام للفكرة ما لم يكن واعيا لما يجري فيهما معانيا مشاكلهما وتجاربهما، ولهذا يظهر أيضا أن ابن خلدون لم يكن حين زين للعلماء أن يكونوا أبعد الناس عن السياسة، أو حين رأى عن تجربته أنهم أبعد الناس عن السياسة.
ذلك لأن الحياة السياسية هي قطاع حيوي لا يمكن أن يصرف رجل العلم عن معرفة مجرياته أو أن لا يكون محركا لعجلاته، ومن البديهي أن رجل الدين أكثر اتصالا من رجل العلم بالحقل السياسي، مع اعتبار أن الإسلام لا يقيم رجالا للعلم ورجالا للدين، لأن العقيدة الإسلامية إنما تكون نماذج يمتزج فيها العلم بالدين امتزاجا وثيقا، لأن أعمال الدين الإسلامي كلها معللة بأسبابها ومفهومة بحقائقها ومركزة في كل شخصية مسلمة لا في جماعة خاصة تمتاز بمعرفة خفاياه دون البشر أجمعين، ولو أن ابن خلدون قال أن الدين أبعد الأشياء عن السياسة، أو العلم العملي لتجلى له الخطأ بدقة.
وإذا فمن واجبنا كمواطنين مسلمين أن نهتم بالقضايا الإنسانية الاجتماعية والسياسية على السواء ويقتضي ذلك أن نكون في كل مشكلة رأيا وحكما، وأن نكون إجابيين إزاء القضايا التي تعرض لنا، لا سلبيين متفرجين أو سلبيين محتجين، كما يقتضي ذلك أن نؤسس جمعيات موحدة الاتجاهات مختلفة الأعمال منتقاة من العناصر المؤمنة الحية.
وان تكاثر الأعضاء لا يساعد البيئة على سير العمل سيرا مستقيما أو أن يصون نزاهة المبدأ، فأحسن الجماعات من توفرت على عناصر قليلة مؤمنة واعية واسعة أفق التفكير لتدرس الدين الإسلامي بدقة وتعيد إليه قوته وصفاء جوهره.
فقد أصبح الدين في جوهره أو كاد، وأصبح في نظر المعتنقين له طقوسا وشكليات، كما أصبح في نظر بعض أدعياء المفكرين أداة تعوق التقدم، رغم أن الواقع التاريخي والفلسفي هو أن الدين مصدر القوة البشرية وفكرة أصيلة في الإنسان، وهو القوة الوحيدة التي تسيطر على النفس الداخلية والذاتية الإنسانية سيطرة دقيقة، ومزاولة طقوسه عمليا تسمو بالنفس وتكبح الشهوات وتجعل من الإنسان مخلوقا أسمى من الحيوان، ولنضرب مثلا لما ذكرنا من أثر الدين في الشخصية الإنسانية والفهم الذي يجب أن نفسر به عملية الرياضة الدينية (الصيام)، تلك