تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للكنيسة المسيحية. وقد شارك في هذا المجمع 2350 قسا يرافق كل واحد منهم كاتبه الخاص، وبذلك أصبح عدد المؤتمرين 7000 شخص، بينما يشارك في دورات الأمم المتحدة 750 مندوبا و 270 ملاحظا فقط. وهذا المجمع الكنسي الفريد من نوعه لا تحده مدة بل سيظل مستمرا عدة شهور إلى أن تنتهي جميع المشاكل المطروحة. وهو ينعقد للمرة الثالثة، إذ سبق أن انعقد المجمع الأول سنة 1545 واستمر إلى سنة 1563 وعكف على دراسة موقف الكنيسة من مفهوم الإنسان الجديد الذي حمله معه عصر النهضة. والمجمع الثاني انعقد سنة 1869 وتوقف بسبب حرب 1870. وقد أسفر عن بيان يدين التفكير العلمي الذي انتشر في القرن التاسع عشر ـ فما هي الأهداف التي يسعى هذا المجمع الثالث إلى تحقيقها؟

الواقع أن عدد المسائل المسجلة في جدول الأعمال يرتفع إلى 2670 مسألة وهي متباينة ومتشعبة، إلا أنه يمكن تميز أهمها:

فهناك مسائل ذات صبغة لاهوتية، أخرى تتصل بمشروع تحقيق وحدة الكنائس والقضاء على الاختلافات الموجودة بين المذهبين: الكاثوليكي، والبروتستانتي، ثم تحديد علاقات الفاتيكان (كنيسة روما) مع مختلف هيئات الأسافقة المقيمة في بقية الأقطار. وهذا لا يعني أن المشاكل المطروحة على المجمع تكتسي طابعا دينيا محضا بل هناك عدة نقط تعطي للمجمع بعدا سياسيا. ومن هذه المسائل تحديد علاقات الكنيسة مع شعوب العالم الثالث واتخاذ مواقف من التطورات السياسية والعلمية التي تعيشها الإنسانية. وهذا ما يجعل كثيرا من الملاحظين يتساءلون عما إذا كان هذا المجمع سيسفر عن نتائج إيجابية تدعم وضعية الكنيسة في عالمنا المتغير باستمرار، أم أن قراراته وملتمساته ستبرهن عن أخفاق الكنيسة في مواجهة التطورات السريعة لأفكار وبنيات المجتمعات الحديثة؟

الحقيقة أن الظروف المحيطة بانعقاد المجمع الثالث تشير كلها إلى أن الكنيسة الكاثوليكية تواجه أزمة حادة. فمن أهدافها الأساسية العمل لتصبح كونية شاملة، ولكن تعاليمها أصبحت محدودة في بقع معينة مما جعل أحد القساوسة يقول:

«أن الإنجيل يجب أن يبلغ اليوم إلى عالم خمس سكانه صهيونيون، وثلثاه لا يأكلون عندما يجوعون، وثلثه تحكمه أنظمة شيوعية».

ويمكن تلخيص العناصر المكونة لأزمة الكنيسة الكاثوليكية في النقط التالية:

1) موجة اللادينية: تدل الإحصاءات على أن نسبا هامة من المجتمعات ذات الطابع الديني لا تمارس الشعائر ولا تؤمن إيمانا كافيا بالتعاليم الدينية.

ومرد ذلك الثورة العلمية والتقنية التي توسعت آفاقها في القرن العشرين، وبلبلت الأفكار والعادات والمعتقدات، وأنقصت من قيمة الدين.

2) التزايد الديمغرافي: يبلغ عدد سكان العالم الآن ثلاثة ملايير، يوجد من بينهم ملياران غير مسيحيين، فإذا ما ازداد عدد سكان العالم ـ وهو أمر محتوم ـ فإن نسبة المسيحيين تصبح ضئيلة.

3) قلة الإطارات: تتوفر الكنيسة الكاثوليكية على 328000 راهب. وهذا العدد لا يكفي لإرشاد وتوجيه 418 مليون من المسيحيين. وهذا الخصاص في الإطارات الدينية سيعرقل تبليغ تعاليم الكنيسة ونشر مبادئها على نطاق واسع.

4) أنه بالرغم مما قيل من أن الدعوة إلى عقد المجمع الثالث في هذه الفترة بالذات ليست مرتبطة بالتطورات السياسية والمجتمعين والعلمية التي يشهدها العالم، فإن كل القرائن تدل على أن الباعث لا ينحصر في تسوية مشاكل لاهوتية وداخلية بل أن اهتمام العالم بهذا المجمع راجع بالدرجة الأولى، إلى طابعه السياسي، وإلى الإمكانيات التي يحتمل أن يسفر عنها لمواجهة المشاكل المطروحة أمام الإنسان المعاصر.

ولا جدال في أنه يتحتم على الكنيسة الكاثوليكية ـ إذا أرادت محو وصمة الرجعة الملصقة بها ـ أن تتخذ قرارات جريئة في مناصرة الشعوب المستضعفة، وإدانة أنظمة القرون الوسطى وعلى رأسها ديكتاتوريتي سالازار والأنظمة الاستعمارية الأوربية في أشكالها القديمة والجديدة.

الرباط ـ محمد برادة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٦١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٦١٢