دعوة الحق، س.9، ع1 /نونبر 1965 .................... ص 68
معرض الكتب: "النبوغ المغربي في الأدب العربي"
طبعة جديدة تأليف الأستاذ عبد الله كنون
قرأه وعلق عليه الأستاذ عبد السلام الهراس
للأستاذ الكبير السيد عبد الله كنون فضل كبير على المغرب في رفع مستوى الثقافة وفي اكتشاف الأدب المغربي ونشره في الآفاق، وهو من الطليعة المغربية التي لها دور عظيم في النهضة المغربية التي اعتمدت ـ في أول أمرها ـ على السلفية واعتنقت آراء جمال الدين والكواكبي ومحمد عبده وتأثرت بأساليبهم وتفاعلت مع النهضة الأدبية في الشرق وتأثرت بما يجري هناك من معارك أدبية، ولعقيدتها الإسلامية كان حبها يميل لمصطفى صادق الرافعي، ولهذه الطليعة في نفسي خاصة تقدير عظيم لأني تربيت في أجواء علمهم وثقافتهم وقد تاثرنا بهم تأثرا كبيرا، وكنا نقرأ ونحن تلاميذ في الابتدائي كل ما يكتبون ونحفظ كل ما يقولون، وكان النبوغ المغربي من الكتب التي قرأناها وشعرنا إذاك بأننا أمام عمل ضخم ومجهود جبار، إلا أن الإنسان قد يتغير رأيه في كثير من الأشياء والأشخاص عندما يودع مراحل الطفولة والتلمذة وخلال تطور عقليته ودراسته، فيبدو له الشارع الكبير زقاقا ضيقا، والساحة الواسعة الأرجاء فسحة محدودة والصخرة العالية حجرة متوسطة، والخطيب المصقع متصنعا تافها، والكاتب القدير سطحيا ضيق الأفق إلا أن هناك أشياء وأعمالا وأشخاصا تحتفظ دائما بمناعة ضد هذه النسبية وتظل أبدا منطوية على القيمة الموضوعية رغم التطورات والأحداث، بل قد يحدث أحيانا أن تكون لها نسبة إيجابية صاعدة.
والنبوغ المغربي من المكتب التي ضمنت لنفسها المناعة والخلود ويبدو الآن عملا ضخما ومجهودا كبيرا كما كان في أول عهده لأنه لم يعتمد في نيل قيمته على بساطة القراء أو انخفاض المستوى الثقافي والعلمي وإنما حدد مستواه حسب ما تقتضيه طبيعة البحث العلمي الرصين، ومما زاده تلك المناعة قوة هو المجهود العظيم الذي بذل في طبيعته الثانية مما أبرزه ككتاب جديد في أسلوب رائع.
والنبوغ المغربي عمل أدبي ووطني كتبه الأستاذ السيد عبد الله كنون بدافع التأثر والشعور بفراغ ميدان الأدب العربي من الإنتاج الأدبي المغربي وجهل العرب ـ وحتى المغاربة ـ بالتراث المغربي في هذا الميدان.
وهناك عامل قوي كان يحمل أمثال الأستاذ عبد الله كنون على إبراز الحضارة المغربية والكشف عن عظمة المغرب وتاريخه ـ وهو التهجمات الاستعمارية على المغرب في الميدان الثقافي والعلمي والديني والافتراء والتزييف والأباطيل التي كان يرميه بها ويخترعها للحط من قدره، فكان لابد إذن من المقاومة الفكرية والنضال، ولا يقدر هذا «الرد الفعل» إلا الذين عانوه أشد معاناة، ولقد رأينا إحدى صور هذا الشعور في محاضرة الأستاذ محمد الحمداوي في مهرجان تطوان الثقافي التي كان عنوانها «الحضارة المغربية بين الإصالة والاقتباس».
ولهذا فإن كتاب النبوغ المغربي يعتبر ثمرة الشعور بالخطر الاستعماري على تاريخ الأدب المغربي وهو صورة رائعة لرد فعل عنيف في المجال العلمي، ولم يكن هذا الرد تلقائيا ساذجا وإنما كان مركزا وضربة قاصمة إذ استطاع أن يكشف للعالم أجمع عن نبوغ المغرب وعبقريته في المجال الأدبي.