فقال له أنا آخذه بلا جواز فإن شاء أن يبقى عندي أستفيذ من عمله أجعل له راتبا طيبا وأكرم مثواه، وإن أراد أن يسافر إلى أي بلد سهلت له ذلك، فجاء الشيخ شرف الدين وأخبرني بذلك وسألني هل أقبل ذلك أم لا؟ فقلت له لا ينبغي لك أن تشك في ذلك، فلو لم يكن فيه إلا دخول العراق الذي منعتني منه السفارة البريطانية لقبلته شاكرا، ثم بعد ذلك كنت أسير في شوارع بمباي ومعي شاب من نجد، فمر ذلك الفتى وهو الشيخ مصطفى آل إبراهيم أطال الله بقاءه وآدام ارتقاءه فوقف سيارته ونزل منها وجاء فسلم علي وسأل عن الحال، وقال لي هل بلغك الشيخ شرف الدين؟ فقلت: بلغني وقبلت شاكرا، فقال لي بعد شهر من هذا اليوم نسافر إن شاء الله، فلما انصرف قال لي رفيقي: هذا أمر عجيب كيف نزل الشيخ مصطفى آل إبراهيم من سيارته وجاء ماشيا حتى سلم عليك، ونحن هنا عندنا الشيخ عبد الرحمن القصيبي لو مر بسيارته ووقفها ودعا أحد علمائنا لجاءه فرحا مسرورا إلى السيارة ولم يحوجه إلى النزول، فقلت له: إني لم أخضع له حين لقيته واحترمت نفسي وعلمي فاحترمني:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه *** ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل
وذلك من توفيق الله سبحانه، ولما وصل الأجل المحدد اجتمعت به فقال لي: إن معي في جواز السفر سبعة من الخدم وسأسميك باسم أحدهم وأبعثه هو في سفينة شراعية من سفن التجارة، فإذا سألك مفتش الجواز عند الصعود إلى الباخرة عن اسمك فقل له اسمي حسن الحنيان، فقلت له أرجو أن تعفيني من هذا فإني لا أكذب فضحك ضحكا كثيرا علي طبعا وقال لي أنت عربي تريد أن تسافر إلى بلد عربي، والإنكليز أجانب لا حق لهم في التصرف في شؤون البلاد العربية، فماذا يضيرك إذا كذبت على المفتش الإنكليزي لتتوصل إلى حقك والحرب خدعة، فقلت لا أستطيع فضحك مرة أخرى وقال لي هل تستطيع السكوت، فقلت نعم بلا شك، فقال لي إذا سألك المفتش فاسكت فصعد هو سلم الباخرة وصعدت خلفه والخدم الستة خلفي، فلما استوينا على ظهرها رأيت رجلا إنكليزيا يستلم أجوزة السفر فقدم له الشيخ مصطفى جوازه فنظر إلى أسماء الخدام وقال لي ما اسمك فسكت فأجاب هو: هذا حسن الحنيان وذهبنا وتركنا الخدام الآخرين يجيبون عن أنفسهم وكان السفر على نفقته طبعا، وبعد العصر دعاني إلى مكانه في الباخرة وسألني هل تستطيع أن تقول شعرا؟ فقلت نعم، وأنشدته بعض ما حضرني من نظمي، فاقترح علي تشطير قصيدة شوقي التي يقول في مطلعها:
خدعوها بقولهم حسناء *** والجواري يغرهن الثناء
ولم أكن أحفظها فكتبها لي فذهبت إلى مكاني من الباخرة وشطرتها تشطيرا أعجبه وأذكر هنا تشطير البيت الأول:
خدعوها بقولهم حسناء *** وامتداح الكواعب استهواء
فرنت للوصال بعد نفور *** والغواني يغرهن الثناء
فلما وصلت إلى البيت التالي عجزت عن تشطيره لأني وجدته حلقة مفرغة لا يمكن فصل بعض أجزائه عن بعض، وهو قوله:
نظرة فابتسامة فسلام *** فكلام فموعد فلقاء
ومع ذلك شطرته تشطيرا لم يعجبني. ولم أفهم معنى هذا البيت حتى أقمت في أوربا زمانا فرأيت معناه يطبق بالفعل في كل مكان ... وعلمت حينئذ فقط علم اليقين أن شوقي أخذ معناه من الواقع الاجتماعي في أروبا حين كان يدرس فيها على أن شوقي من أشد المحافظين في شعره ونثره وأبعد الناس عن التقليد لأساليب الشعر الأوربي، إلا أنه اقتبس مما شاهده وقرأه من المعاني الشيء الكثير، وأما الألفاظ فإنه تجنب كلما يخدش وجه بلاغتها، وهذا شأن الفحول، وأرى أن أمسك عنان القلم وأر جيء الباقي إلى التلاقي على صفحات دعوة الحق.
مكناس ـ تقي الدين الهلالي