وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار وأكفروا ءاخره لعلهم يرجعون ـ ولا غرابة في صدور مثل هذا من مثل من يقولون ويعتقدون نحن أبناء الله وأحباؤه وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ـ كبر عليهم أن يجيء ما يهدم هذا الاعتقاد ويحطهم من هذه المرتبة الممتازة ليلحقهم بمستوى العموم تقريرا للقاعدة التي جعلت أساس التفاضل الأعمال عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال: أن رجلا دخل الجنة فرآى عبده فوق درجته، فقال يا رب هذا عبدي فوق درجتي، فقال له سبحانه نعم جزيته بعمله وجزيتك بعملك (نقلا عن الخطيب البغدادي ج 7 ص 129)، وفي معناه جاء في أسباب النزول أن اليهود كانوا ذات يوم يتفاخرون مع المهاجرين والأنصار في المدينة يقولون نحن شعب الله المختار ينص القرءان نفسه حيث يقول: يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين. إلى غير ذلك من الآيات فيجيبهم المسلمون: نعم كنتم وكنتم فضلكم الله على عالمي زمنكم ولكن صدر منكم ما أوجب عزلكم فقد بلغت بكم الحال إلى قتل الأنبياء بغير حق: فيما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق). ثم نظر سبحانه في خلقه وهو أعلم بهم فوجدنا أحق الناس وأولاهم بحمل أمانة الرسالة، كنتم خير أمة أخرجت للناس ويكون الرسول عليكم شهيدا. بينما هم في تفاخرهم نزل قول الله عز وجل: ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا. معناه ليس أمر نجاتكم وسعادتكم منوطا بأمانيكم ولا نجاة أهل الكتاب منوطة بأمانيهم والاعتزاز بالانتساب إلى أنبيائهم وكتبهم، من يعمل سواء منكم معشر المسلمين أو منكم يا أهل الكتاب يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا.
يعني من يعمل سواء يلق جزاءه لأن الجزاء بحسب سنة الله تعالى أثر طبيعي للعمل، روى حديث عن الحسن: ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، وهذا الحديث عند من يتأمله بتجاوب مع قوله تعالى: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون.
اعتبر المفسرون والكتاب من المصلحين هذه الآية كبرنامج عام للإسلام من الناحيتين الخلقية والروحية وبطبيعة الحال الناحية الاجتماعية تابعة لهاتين الحلتين.
والخلاصة أن الغاية المتوخاة من هذا المقال أن الطريقة المثلى لنجاح الإصلاح هي كما قلت في البداية في تطهير قناة الإسلام مما يشوبه من كثرة الروايات والأساطير لا سيما فيما كان من هذه الروايات والأساطير ماسا بجوهر الدين وأسسه، وأجدد الذكر بأن الإسلام دين عام والعام من شأنه أن يكةن مظنة القبول ممن يعرض عليه والأساطير والروايات المتضاربة غير مرجوة القبول، هذا هو المقياس الذي يطلب من كل مرشد أن يتمسك به ويجعله نصب عينيه ويرحم الله ابن عمار حيث يقول:
وإذا ما النسيم كان دليلي
لم يحلني سوى على الأزهار
الرباط ـ أبو العباس أحمد التيجاني