تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ففي عهد الملثمين الأمير أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف اللمتوني، وأبو عمرو عثمان السلالجي الفاسي، وأبو عبد الله محمد بن أحمد السرقسطي المراكشي، وفي عهد المرينيين فخر المغرب في الرياضيات أحمد بن البناء المراكشي، وتلميذه الابلي، وفي عهد السعديين مثل المنصور السعدي، وابن القاضي، واليفراني، وفي عهد دولة الشرفاء العلويين مثل أمير المؤمنين سيدي محمد بن عبد الله، والأمير الجليل مولانا الحسن، وغيرهما من سائر أمراء الدولة العلوية القائمين حتى الآن.

وفي سنة 1938 شمله ذو الشرف والجلالة مولانا محمد الخامس ملك المغرب بظله وفضله، محافظة على عظمته التاريخية، ومراعاة لمكانته الاجتماعية، فأبى جلالته إلا أن ينظم فيه الدروس، مثل ما نفعل بالقرويين.

وفي سنة 1943 ـ أمر جلالته بإنشاء الدروس العالية فيه على غرار القرويين أيضا، وفي أثناء هذا النظام الكريم، تخرج منه مائة عالم، وأغلبها موزع على مصالح الدولة المغربية، وقائم بالمعاهد الإسلامية، وهكذا كان يلقى دائما كامل العناية، وحسن الرعاية، من لدن المرابطين حتى دولة العلويين ... وإنه الآن يفخر بوطنيته وقوميته، ويسهر في الحياة الجديدة على تحقيق دعائم الثقافة المشتركة، ويدعو باستمرار إلى دعوة الإسلام وحركته المثلى ولغته الفصحى واعترافا بهذه المكانة، أفرغ عليه جلالة محمد الخامس ما يناسبه من حلل الاعتبار، وأسدى إليه من معروفه وبره البار، ما سجله التاريخ في صفحاته اللامعة، وخلده في سطوره البيضاء.

مسجد الكتبية

وأما مسجد الكتبية، وهو الاسم الذي اشتهر في الأزمنة الأخيرة بعد أن كان يسمى من قبل: بمسجد الكتبيين فقد شيده: عبد المومن بن علي الكومي الموحدي صاحب المهدي بن تومرت، حينما تم له الدخول إلى مراكش سنة 537.

وذلك أنه لما دخل مراكش استقدم أعيان الموحدين، فامتنعوا من دخولها، وقوفا عند وصية إمامهم: (لا تدخلوها حتى تطهروها) وسأل فقهاءهم عن مغزى الوصية، فأجيب ببناء مسجد فبناه بدار الحجر، قرب قصر الإمارة وقد كانت العادة أنه كلما قامت دولة قامت معها منابر ومدارس، تبشر بالمبدأ الذي تعتنقه الدولة وتلتزمه، وتنبئ عن نشاطها وعظمتها، كما كان الشأن في الجامع الأزهر، على عهد الدولة الفاطمية، وعبد المومن الموحدي هذا هو الذي حمل الناس في المغرب على مذهب أبي الحسن الأشعري في الأصول، بعد أن كانت العقائد سلفية، ولا تنكر عناية الموحدين بالمظاهر الفنية والعمرانية وبمعاهد العلم، وخزائن الكتب، حتى إنه كان من سنتهم فيها أن لا يتولاها إلا من جلس على دست المعرفة، وثبت وقت التجربة.

وقد روى التاريخ أن الذين أشرفوا على بناء مسجد الكتبيين من المهندسين أبو الليث الصفار، وأبو الحسن علي بن أبي حفص عمر بن عبد المومن، وأن يد التجديد قد تناولته مرارا في عهد الدولة العلوية ـ في عهد المولى عبد الرحمان وفي عهد المولى الحسن سنة 1307.

وهو مربع الشكل منحرف له أربعة مخارج في جانبه الشرقي، وأخرى في جانبه الغربي، وعلى يسار المحراب خوخة صغيرة لدخول الإمام والأمير.

منار الكتبية

وفي سنة 593 ـ شيد يعقوب المنصور حفيد عبد المومن مناره العظيم الذي لم يشيد مثله في الإسلام، حتى قيل إنه العلم في الفلاة، ومنزلته بين المآذن منزلة والي الولاة، ولا تترك الوحدة المعمارية أي شك في أنه من آثار المنصور، الذي كان مولعا بالبناء والتشييد، ومغرما بالإبداع والتمييز ومهتما كذلك بشعائر الدين، فقد سن النداء في الأسواق بالمبادرة إلى الصلاة وقتل أحيانا زجرا على شرب الخمرة، وكذلك تكون الحراسة والأمانة.

هذا وقد كان بجانب المسجد المذكور خزانة عظيمة لمختلف الكتب العلمية والدينية، امتدت إليها مع الزمان أيدي الحدثان، ولم يبق من نفائسها إلا ما قل مما أضيف إلى مخطوطات خزانة ابن يوسف، كما كان يكتنفه: سوق للكتبيين، وإليهم نسب المسجد فيما بعد، وذلك من دلائل نهضته الفكرية والثقافية، وإن كانت الحياة الثقافية لا تتجلى إلا ببسط تراجم القائمين بها وذكر بحثهم ونتاجهم وبعد:

فقد شاهد كل من المسجدين التاريخيين أحداثا، وطاولا أعمارا، وصافحا حضارة، وعالجا ثقافة، إلا أن صفحات تاريخهما مطوية ومنسية، من حقها أن تنشر وتتلى بآيات الحمد والثناء والله يعلم حقائق الأمور، ودقائق الأشياء «والله يعلم وأنتم لا تعلمون».

مراكش: الرحالي الفاروقي

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٤٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٤٥٥