الانسجام الموسيقي، عند ذلك سيستطيع شعراؤنا أن يسهموا بحظهم في التطوير والتجديد، وسيسجلون بذلك انتصارا في خط سيرنا الأدبي.
أما عن موقف شعراؤنا ومدى تجاوبهم مع الأحداث والرجات الاجتماعية في الداخل والخارج، فإننا إذا كنا لا ننكر لهم هذه الاستجابة بالنسبة لبعض الأحداث، فمن الإنصاف للحقيقة أن ننمي عليهم تقاعسهم حيال أحداث أخرى، فقد رأينا أن فريقا من الطائفة الأولى والثانية لم يتوان كثيرا منهم عن تسجيل بعض الأحداث داخل فترة الحماية نفسها في حدود مهما تكن ضيقة فهي ليست منعدمة على الإطلاق، وان لم تكن في نفس الوقت على النحو الذي يدعو إلى التنويه والإكبار؛ هذا في الداخل أما بالنسبة للخارج فهناك أحداث تتصل بالصعيد العربي العام كمأساة فلسطين الجريحة ومشكلة الجزائر المكافحة، وحادث الاعتداء الثلاثي على مصر وميلاد فكرة القومية العربية، وفكرة توحيد المغرب العربي لم تلاق من شعرائنا ذلك الاهتمام الذي كان يجب أن تلاقيه لاتصالها بكياننا ووضعنا السياسي والاقتصادي.
أما ما يمكن أن نسميه بتيارات الشعر المغربي، فنستطيع أن ندرك من تضاعيف ما سبق أن هناك ثلاث تيارات: تيار تقليدي وهو الغالب، وتيار يجنح إلى الاتجاه الجديد ولم يستطع رواده بعد أن يرسخوا أقدامهم فيه، ولا يزالون في ميدان التجربة والمحاولة غير الناضجة أحيانا، وتيار ثالث يتأرجح أصحابه بين هذا وذاك، ونبقى بعد هذا حقيقة لن يستطيع أن يمارى فيها ممار مهما بلغ من التشاؤم الذي نعده من أكبر عوامل الهدم، وهي أننا إذا كنا نشكو نقصا فاضحا مخجلا في فن من فنون الأدب فلن يكون الشعر ولا المقالة بحال من الأحوال، وإنما نشكو ذلك في الرواية والقصة بنوعيها على أن هذا يجب ألا يشعرنا بأننا في مقدمة الركب في الفنين الأولين أو أننا نستطيع أن نقف فيهما إلى جانب كثير من الدول الشقيقة، وإنما الذي تقصده أن نقصنا فيهما لا يقارن بشكل من الأشكال بتخلفنا في ميداني القصة والرواية، فهل آن لنا أن ندرك أن مجرد تأسفنا على أننا في مؤخر القافلة الأدبية لن يفيدنا ولا الأدب في شيء، لأننا جميعا متفقون على أن وضعنا الأدبي على العموم ليس مما يرضينا، وما دمنا جميعا متفقين على ذلك فأي معنى يبقى لان نقول ونعبد القول، بأننا في مؤخر القافلة، أنه قول يبقى متلبسا بالسلبية مهما تلاعبنا بالألفاظ، وتفننا في صوغه بمختلف الأساليب والكلمات الرنانة ..
إن الذي نحتاج إليه هو البحث عن أسباب تخلفنا هذا وكيف نقوى على تفاديه، وفي نفس الوقت ننتج أدبا؛ شعرا أو قصة أو رواية، فإن ذلك سيعطي لغيرتنا على الوضع الأدبي ببلادنا مدلولا إيجابيا بناء نحن أحوج ما نكون إليه في هذه الظروف لانقاد سمعتنا الأدبية ..
دعوة الحق، س.2، ع 10 /يوليوز 1959 ص142
ضرورة العناية في نقل النصوص
بقلم: محمد محمد الداودي
من أهم صفات الناقد دقته في نقل النصوص التي يعرضها للقراء ناقدا إياها أو معلقا عليها أو مستشهدا بها فلا يمكن أن يطمئن القراء إلى صحة دعوى الناقد إلا إذا تبثت أمانته في النقل.
وأحيانا قد يتحرى الأمانة هذه ناقد ولكن تعوزه الوسائل التي تمكنه من معرفة حقيقة النص ومطابقته للأصل الذي وضعه المنشئ، لذا فإن ثقافة الناقد لابد من أن تكون واسعة وشاملة.
والقارئ النابه المطلع قلما تفلت منه زلة الكاتب أو الناقد، وهذا ما يجعل الكتاب والناقدين حذرين فيما يكتبون من الزلل والغفلة، وإذا خفيت بعض هفوات الكتاب في نقل نصوص نثرية قد لا يكلف كثير من القراء أنفسهم عناء الرجوع إلى أصولها، فإن هفوات النقل للأبيات الشعرية قلما نقلت من متذوقي الآداب وذوي الآذان الموسيقية، فموسيقى الوزن دقيقة ومحكمة، وأي خلل يحصل فيها تتلقفه الأذن وتقف عنده لأنه أفسد النشوة التي تحصل عند القارئ حين ترنمه بالشعر.
سقت هذه المقدمة لأني وجدت وأنا أطالع (العدد الثامن من مجلة «دعوة الحق» لهذا العام بعض الهفوات في نقل أبيات شعرية حرت في معرفة المسؤول عنها، أهو مرتب الحروف أو كاتب المقال أم كلاهما.